جيرار ديب (الجزيرة)
وقّع أكثر من ألف سينمائي إسرائيلي عريضة لدعم زميليهما يوفال إبراهيم وراشيل سور، مخرجي فيلم "نازا"، عقب الجدل المثار حوله واتهامه بتشويه صورة إسرائيل دوليا، وفق إعلام عبري.
و"نازا" (ضرر جانبي) فيلم وثائقي يفضح جرائم إسرائيل خلال الإبادة الجماعية التي ترتكبها تل أبيب في قطاع غزة منذ عام 2023، وفاز السبت 12 سبتمبر/أيلول 2026 بـ"جائزة لجنة التحكيم الخاصة" في الدورة 83 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي في إيطاليا.
لم يعرض وثائقي "نازا" سوى جزء بسيط من أعمال الإجرام الإسرائيلي، إذ عمد المخرجان في كثير من الأحيان إلى تجميل المشهدية كي لا تظهر بوضوح أعمال اليمين المتطرف القبيحة
يتناول الفيلم الوثائقي آلية الاستهداف والقصف الإسرائيلي في غزة من خلال شهادات سرية لـ24 جنديا وضابطا في الاستخبارات والجيش الإسرائيلي شاركوا في العمليات العسكرية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويعرض كيف أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الجماعية وتحليل البيانات جزءا من عملية تحديد الأهداف.
كان من المنطقي أن يحاكي ويحرك هذا الفيلم -وهو من إخراج إسرائيلي- الرأي العام داخل إسرائيل، ويحث على إطلاق المظاهرات لإسقاط حكومة عملت على تلطيخ صورة البلاد في الخارج وصبغها بالأعمال الإرهابية.
لكن الرياح سارت عكس المطلوب، حيث وجدت حكومة بنيامين نتنياهو في عرض هذا الفيلم الوثائقي قبل انتخابات الكنيست المزمع إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، أنه فخ متعمد للتأثير في أصوات الناخبين وإسقاطه انتخابيا والقضاء على مشروعه السياسي إلى الأبد؛ لذا حركت الحكومة وزير ثقافتها الذي بدوره أصدر القرارات الدونكيشوتية بحق المخرجين.
وأعلن وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر عزمه التحرك لسحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين يوفال وراشيل بتهمة "الخيانة العظمى". وأضاف الوزير الإسرائيلي أن المخرجين يلحقان الضرر بدولتهما سعيا وراء نيل الإشادة في الخارج.
أخطأ زوهر في حكمه أو على الأرجح تسرّع بالنطق به، إذ من يجب سحب الجنسية منه ومحاكمته كخائن هو رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، والكثير من وزرائه من ذوي الفكر اليميني المتطرف الذين لا يخجلون من دعوة الجيش لممارسة أقصى أنواع القتل والتدمير والتهجير بحق الفلسطينيين أو اللبنانيين في الجنوب تحديدا تحت ذرائع الدفاع عن النفس.
فنتنياهو هو من شوه صورة إسرائيل، وأسقط ادعاءاتها أمام شعوب العالم بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، كما عمل على تأليب الرأي العام الداعم لإسرائيل على مدى عقود، عبر تشجيع المستوطنين على التحول إلى آلة قتل وتخريب بحق السكان الفلسطينيين العزل.
كان من المنطقي أن يحاكي ويحرك هذا الفيلم -وهو من إخراج إسرائيلي- الرأي العام داخل إسرائيل، ويحث على إطلاق المظاهرات لإسقاط حكومة عملت على تلطيخ صورة البلاد في الخارج وصبغها بالأعمال الإرهابية
دفع هذا الفعل الشنيع الحكومة البريطانية -وهي من مؤيدي إسرائيل التاريخيين- في 8 سبتمبر/أيلول 2026 إلى اتخاذ حزمة من العقوبات والإجراءات غير المسبوقة التي تستهدف التجارة والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.
لم يعرض وثائقي "نازا" سوى جزء بسيط من أعمال الإجرام الإسرائيلي، إذ عمد المخرجان في كثير من الأحيان إلى تجميل المشهدية كي لا تظهر بوضوح أعمال اليمين المتطرف القبيحة. ورغم هذا، لم يتأخر الرد الإسرائيلي في قمع المعارضين وتشويه سمعتهم وتهديدهم باتهامهم بالخيانة العظمى.
وهذا القمع ليس بجديد على ثقافة نتنياهو ومن يدورون في فلكه، إذ قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي، على سبيل المثال، بقتل صحفية قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة عمدا في 11 مايو/أيار 2022، بهدف الترهيب الفكري وقمع الصوت الحر. كل هذا وربما أكثر يفعله الكيان لأنه يخشى الناطقين بالحقيقة، فيعمل على القمع والاعتقال والقتل في تحد وتخط واضحين لشرعة حقوق الإنسان وحق الوصول إلى الحقيقة.
يعمل الإسرائيلي على تضييق الخناق على كل من يسلط الضوء على كشف حقيقة الاحتلال وأعماله الإجرامية، لكن يبدو أن "نازا" شكل مادة انتخابية ليس لدى الحكومة فحسب، بل لدى معارضيها أيضا. إذ استغل الفيلم رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت ليسجل موقفا انتخابيا برفضه مضمون الفيلم، على اعتبار أن المخرجين تعمدا استخدام اسم "نازا" وهي عبارة مشتقة من "النازية" في تصوير أفعال الجيش الإسرائيلي وتشبيهها بالنازية.
مهما حمل الفيلم من انتقادات إسرائيلية داخلية، مع توجيه الاتهامات بحق المخرجين، فإن ما لا يمكن إخفاؤه هو صورة إسرائيل الوحشية. ومهما حققت إسرائيل عسكريا لضمان أمنها لسنوات، فإن المؤكد أن إعادة ترميم صورتها كدولة تؤمن بالقيم الديمقراطية في العالم تحتاج إلى عقود، إذ إن المؤكد أن إرهابها لم يصل فقط إلى نازا، بل إلى وكالة الفضاء "ناسا" العابرة للقارات والفضاءات.