مقالات

نرجسية ترامب وحروبه الداخلية والخارجية

post-img

هشام ملحم (معهد دول الخليج العربي)

خلال أيام قليلة صعّد الرئيس ترامب من حربه ضد وسائل الاعلام، مدعياً أنها تواصل نشر التقارير السلبية والنقدية عنه وعن إدارته، وإن حاول لاحقاً لف نفسه بلحاف الدفاع عن الأمن الوطني، حين اتخذ قراراً اعتباطياً بحرمان مراسلي شبكتي التلفزيون سي إن إن وأم أس ناو وصحيفة بوليتيكو من تغطية البيت الأبيض.

وأدى هذا القرار إلى تضامن جميع شبكات التلفزيون الأخرى مع وسائل الإعلام المستهدفة، ما أدى إلى وقف التغطية التلفزيونية لرئيس لا يستطيع أن يعيش دون تغطية تلفزيونية مستمرة. وبعدها، هدد ترامب أمام ممثلي جميع الدول المشاركة في الدورة الواحدة والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، “بإبادة” إيران إذا لم تقبل بالتوصل إلى اتفاق. ثم استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ بحفاوة بالغة ومراسم احتفالية لا يعتمدها عادة مع حلفائه التقليديين، وخصّ بها رئيس الدولة التي تتهمها الاستخبارات الأميركية أنها تساعد إيران في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية.

وبدلاً من أن يعالج ترامب التحديات الاقتصادية التي يواجهها الناخب الأميركي بسبب تهوره في شنّ حرب تجارية دولية عبر فرضه الرسوم الجمركية بشكل اعتباطي، والتورط، مع اسرائيل، في حرب خيار ضد إيران، وبدلاً من مساعدة مرشحي حزبه في الانتخابات النصفية، فإنه يساهم في إضعافهم من خلال انشغاله – والبعض يقول هوسه – في تغيير معالم البيت الأبيض، حيث يقوم ببناء قاعة احتفالات ملحقة بالبيت الأبيض، وتصل مساحتها حوالي ضعفي مساحة البيت الأبيض، وبناء قوس نصر قبالة مقبرة أرلينغتون الوطنية، أعلى من قوس النصر في باريس، وفرض اسمه على مركز الرئيس كينيدي للفنون، وغيرها من محاولات الـتأثير والجاذبية المفرطة والنرجسية المثيرة للكثير من الجدل القانوني والسياسي والفني، وترسيخ سمعته كرئيس أعاد بناء واشنطن  وفقا لذوقه ورؤيته.

وبعد ساعات من التهديد بإبادة إيران، الدولة صاحبة الحضارة القديمة، التي يحكمها نظام متسلط ولا يعرفها أي مسؤول أميركي من الدرجة الأولى أو الثانية، وصف ترامب لقاء استمر لثلاثة ساعات بين المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وممثلين عن إيران، بأنه كان “اجتماعاً جيد للغاية”. ومنذ بداية الحرب والرئيس ترامب يتأرجح بين التهديد بتدمير إيران أو التوصل إلى اتفاق يعيد لها أهميتها الحضارية. وكان ترامب قد اعتقد بسذاجة أن الحرب لن تستمر أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع، وهي الآن في شهرها السابع، بعد أن طالت نيرانها جميع دول الخليج العربية وما ورائها، وخلقت اضطراباً كبيراً في  أسواق وأسعار النفط في العالم بعد اغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

وتبين مختلف المؤشرات أن الرئيس ترامب لا يبالي عملياً بالانتخابات النصفية وبقاء سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس، حيث خفضّ كثيراً في مشاركته في نشاطات مرشحي الحزب الجمهوري. وفي مؤشر حول ازدياد قلق الجمهوريين من نتائج الانتخابات، بدأ بعض المرشحين المطالبة بإنهاء الحرب ضد إيران، بينما لجأ آخرون إلى حذف اسم ترامب من دعاياتهم وبرامجهم الانتخابية، ووصل الأمر بالمرشحة الجمهورية من أصل أميركي-لاتيني ماريا سالازار مخاطبة ترامب مباشرة في دعاية تلفزيونية، بعد أن شكت من الممارسات القاسية لشرطة الحدود الذين يتعقبون المهاجرين من دول أميركا اللاتينية، وأضافت، “هؤلاء الأميركيين اللاتينيين الذين ساعدوك في الوصول إلى البيت الابيض في 2024 يشعرون اليوم أنه تمت خيانتهم”.

ويفسر البعض عدم اهتمام ترامب بالفوز في الانتخابات الحزبية بأنه غير مرشح هذه المرة، وبأنه تبرع بمبلغ   130 مليون دولار فقط للمرشحين الجمهوريين من أصل ميزانية تتراوح بين 800 مليون ومليار دولار وفقاً لترامب. إلا أن هناك من يتخوف من لجوء الرئيس إلى اتخاذ اجراءات أمنية غير قانونية، او إعلان حالة الطوارئ، أو الطلب من رئيس مجلس النواب مايك جونسون عدم التصديق على نتائج الانتخابات، إذا خسر الحزب الجمهوري سيطرته على الكونغرس. وعبّر عدد من الخبراء والسياسيين الديموقراطيين عن هذه المخاوف، التي نوقشت أيضاً في المطبوعات الأميركية، وكان آخرها مقال نشرته مجلة ” ذي اتلانتك” بعنوان “مؤيدو ترامب الذين يحثونه على إعلان حالة الطوارئ قبل الانتخابات النصفية”. ويذّكر هؤلاء المشككين بنوايا الرئيس ترامب بتشجيع أنصاره على اجتياح واحتلال مبنى الكابيتول في الكونغرس بعد خسارته الانتخابات في عام 2020.

ويتهم العديد من المحللين والخبراء في الشؤون الانتخابية الرئيس ترامب بنكران مكانته المتدنية في المجتمع الأميركي وانحسار قاعدته، وفي الوقت ذاته الإصرار على أنه أشرف على ايصال الولايات المتحدة إلى العصر الذهبي، متجاهلا الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية بعيدة المدى والسلبية لقراراته آحادية الجانب، وتحدياته للأحكام القضائية، ولاستغلال منصبه لإثراء نفسه وعائلته وأصدقائه. ويرى هؤلاء أن استعادة الولايات المتحدة لسمعتها ومكانتها الدولية السابقة، وإعادة بناء تحالفاتها، سوف تكون مهمة شبه مستحيلة بسبب الأضرار التي سببها الرئيس ترامب.

وتبين مختلف استطلاعات الرأي أن شعبية ترامب قد وصلت إلى أدنى مستوياتها في ولايتيه. ووصلت نسبة موافقة الأميركيين على أدائه الاقتصادي والخارجي إلى مرحلة حرجة، وأسوأ من أداء أي رئيس أخر في القرن الواحد والعشرين. وأظهر استطلاع للرأي أجراه فريق الأبحاث الأميركي أن 29 بالمئة من الأميركيين فقط يقولون أنهم يوافقون على أداء ترامب كرئيس، بينما يقول 68 بالمئة العكس. وأظهر أخر استطلاع للرأي أجرته شبكة سي أن أن وصول نسبة موافقة الأميركيين على أدائه إلى 33 بالمئة، مقابل 67 بالمئة يقولون العكس. وفي المقابل تزداد نسبة تأييد الأميركيين للمرشحين الديموقراطيين قبل أسابيع من موعد الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، وفقاً لاستطلاعات الرأي.

ويقول أكثرية الناخبين الأميركيين أن استيائهم من الرئيس ترامب يعود إلى الحرب التجارية العالمية التي شنها عبر فرض الرسوم الجمركية بشكل اعتباطي، وإلى الحرب المكلفة بشرياً ومادياً التي شنها مع إسرائيل ضد إيران، وتسببت بغلاء المعيشة وارتفاع اسعار الوقود، وخاصة أسعار المازوت وغيرها من المشتقات النفطية مثل السماد وغيرها.

إن انحسار شعبية الرئيس ترامب، وازدياد الاستقطابات السياسية، إضافة إلى المشاكل الاقتصادية ووصول العجز إلى أكثر من أربعين ترليون دولار، إضافة إلى عدم وجود أي حل في الأفق للحرب ضد إيران، سوف يضعف مركز ترامب خلال اجتماعات القمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وهذه هي الزيارة الأولى لشي جين بينغ لواشنطن منذ 11 سنة، ولا يتوقع الخبراء أي اختراقات في القضايا الخلافية بين البلدين، مثل الذكاء الاصطناعي ومستقبل جزيرة تايوان والحرب ضد إيران. وللتعويض عن ذلك، حفلت الزيارة بالمراسم الاحتفالية لتكريم الزائر الصيني، الذي يكيل إليه الرئيس ترامب المديح في كل مناسبة. ويتوقع المراقبون والخبراء أن يركز الرئيسان على صيانة العلاقات بين البلدين وتفادي التورط في أزمات جديدة.

وقام ترامب في خطوة رمزية، ولكن هامة، باستقبال نظيره الصيني شي جين بينغ لدى وصوله إلى قاعدة اندروز القريبة من العاصمة واشنطن، وتخطى بذلك تقليداً متبع منذ أكثر من ستين سنة، حيث يستقبل الرئيس الأميركي عادة زواره في البيت الأبيض، وليس في القاعدة الجوية، للتأكيد على مستوى الاهتمام العالي الذي يوليه ترامب للرئيس الصيني.

وشارك في مأدبة العشاء على شرف الرئيس الصيني في البيت الأبيض شخصيات أميركية بارزة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع أن شي جين بينغ لم يجلب معه فريقاً مماثلاً، ما يعني تفادي معالجة القيود الضرورية لمنع الذكاء الاصطناعي من ارتكاب الأخطاء، أو مخالفة تعليمات الخبراء كما ترغب واشنطن. وهناك منافسة شديدة بين أكبر اقتصادين في العالم حول كيفية تطوير هذه التكنولوجيا، وأشباه الموصلات المرتبطة بها.

ولا يستبعد الخبراء حدوث تقدم محتمل بشأن الرسوم الجمركية، واحتمال شراء الصين المزيد من المنتجات الزراعية، مع وصول الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة إلى أكثر من مئتي مليار دولار. ومن المتوقع أن يشدد الرئيس الصيني على حق الصين في إعادة ضم تايوان، ومعارضة تسليحها من قبل واشنطن. وسوف تواصل بيكين معارضتها للحرب والعقوبات ضد إيران، وهي التي كانت قبل الحرب تستورد حوالي تسعين بالمئة من النفط الإيراني. وتواصل الصين توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية الدولية، وتعزيز تقدمها العلمي، في الوقت الذي وتواصل فيه بناء ترسانة عسكرية متطورة.

وفي المقابل، تتميز علاقات واشنطن مع حلفائها التقليديين في أوروبا وآسيا بالتوتر. وعلى الرغم من أن الصين تريد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، إلا أنها لا تعارض بالضرورة انشغال واشنطن في حربها المكلفة ضد إيران، وما أدت إليه من استخدام معظم الأنظمة العسكرية المتقدمة مثل الصواريخ الاعتراضية وما يسمى بالقنابل الذكية. كل هذه العوامل وضعت الرئيس شي جين بينغ في موقع أقوى من الرئيس ترامب.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.