مقالات

من أجل الحفاظ على هذا المكوّن الأصيل من مكوّنات مجتمعاتنا

post-img

ماهر الشريف (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس بالقدس، مسؤول كنسي فلسطيني معروف بمواقفه الوطنية الصريحة، وقد وضع أصبعه على الجرح في البيان الذي أدلى به تعليقاً على الجريمة التي وقعت، يوم الجمعة في 23 تشرين الأول/الجاري، في كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية "حمود" الواقعة في محافظة الكرك الأردنية، وأسفرت عن مقتل تسعة مواطنين، وجرح عشرات آخرين بعضهم في حالة حرجة. فماذا قال سيادته في ذلك البيان:

بعد أن عبّر عن حزنه وإدانته للهجوم الذي استهدف هذه الكنيسة، وقدم التعازي في ضحاياه وتمنى الشفاء للمصابين والجرحى، أشار المطران عطا الله حنا إلى أن الهجوم على الكنيسة "يهدف إلى إدخال المسيحيين في حالة من الخوف والتوتر، والعمل على تقسيم المجتمعات وإثارة الضغينة والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد"، وشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة "لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الأمني وملاحقة المتورطين، بل تتطلب أيضًا عملًا ثقافيًا وتربويًا لمواجهة الفكر المتطرف"، و"ترسيخ الفكر الوحدوي الرافض للكراهية والطائفية والعنصرية". وأضاف أن المجتمعات "بحاجة إلى مزيد من التوعية ومواجهة تربوية وثقافية للمظاهر السلبية"، معتبرًا "أن إلقاء القبض على الجناة هو أضعف الإيمان، وأن المطلوب هو معالجة فكرية وثقافية أوسع، ومواجهة البيئة الحاضنة للفكر الإقصائي المتطرف"[1].

دور المواطنين المسيحيين في النهضة العربية

كان مسيحيو المشرق العربي تاريخياً فاعلين أساسيين في حياة مجتمعاتهم. فقد كان دورهم الثقافي، على سبيل المثال، كبيراً إلى حد لا يتناسب البتة مع ثقلهم الديموغرافي؛ إذ كانوا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، من رواد الحداثة المجتمعية، فأشاعوا الدعوة إلى الوطنية، وإلى تحديث اللغة العربية وتطوير التعليم، وإلى تحرير المرأة، وإلى الفصل بين الدين والدولة. كذلك دعوا إلى التفاعل الحضاري، القائم على الاقتباس المشروط وليس التقليد الأعمى، وكشفوا "الوجه البشع" للغرب المتمثل في الاستعمار، مخالفين بذلك الصورة النمطية التي تصوّرهم كـ "جزءٍ من الغرب في الشرق" وهي الصيغة التي تغفل، كما ذكر جوزيف ميلا عالم الاجتماع السياسي الفرنسي-اللبناني، حقيقة أنهم لم يكانوا المحاورين الوحيدين للغرب[2]؛ فأسماء مفكرين - أو علماء دين- مثل رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي، أو جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي تكفي للدلالة على مدى الانجذاب نحو التفاعل مع الظواهر الإيجابية في الحداثة، التي ولدت في الغرب، لكنها تحوّلت، مع الوقت، إلى مكتسب إنساني.

كان للصدامات الطائفية التي وقعت في جبل لبنان بين الموارنة والدروز في سنة 1860، ثم امتدت إلى مناطق أخرى من بلاد الشام، دور كبير في تحفيز رواد النهضة الشوام على تبنّي الدعوة الوطنية. فقد صدرت "وطنيات" المعلم بطرس البستاني (1819- 1883) في سنة 1860 في أعقاب تلك الصدامات، موقّعة باسم "محب للوطن". وفي "وطنياته" تلك، التي نشرها في "نفير سورية"، أكد البستاني أن التمدن الحقيقي لأهالي سورية، يستلزم أمرين، "أحدهما وجود الألفة بين أفرادهم وفئاتهم وعلى الخصوص الألفة المدنية"، والثاني هو "حب الوطن وتفضيل صالحه على الصوالح الذاتية سواء كانت شخصية أم طائفية"، محذراً أبناء الوطن من مخاطر التعصب المذهبي على الهيئة الاجتماعية، ومن أبرزها خطر الحروب الأهلية التي كانت، في نظره، من "أشرّ الحروب وأقبحها وأشنعها"، تنتج في الغالب "عن أسباب زهيدة ولأجل غايات دنيّة"، تنافي "أكرم وأشرف الحقوق كحقوق الجيرة والأخوة الوطنية". ورأى البستاني أن "سورية المشهورة ببر الشام وعربستان هي وطننا على اختلاف سهولها ووعورها وسواحلها وجبالها"، وأن أبناء الوطن "هم سكان سورية على اختلاف مذاهبهم وهيئاتهم وأجناسهم وتشعباتهم... وأبناء وطننا هم أحسن الناس عندنا".

وعلى الرغم من أن بطرس البستاني لم يستخدم مصطلح المواطن والمواطَنة، بل كان يتحدث دوماً عن "أبناء الوطن" و " أهل الوطن"، فإنه توقف مطوّلاً عند الحقوق التي يجب أن يضمنها الوطن لمواطنيه، والواجبات الملقاة على عاتقهم إزاءه، معتبراً أنه "بمقدار ما تكون تلك الحقوق مستوفية حقها يزيد التعلق بالوطن والرغبة واللذة في تأدية تلك الواجبات". فالحقوق التي يجب على الوطن أن يضمنها لأبنائه هي، في نظره، حماية حياتهم وأموالهم، وضمان حرياتهم المدنية والأدبية والدينية، ولا سيما حرية الضمير والاعتقاد. أما الواجبات التي على أبناء الوطن لوطنهم، فمن أهمها حب الوطن وتغليب هذا الحب على الولاء المذهبي، والاستعداد لبذل المال والحياة في سبيله.
وبعد أن أكد بطرس البستاني على حرية الضمير في أمر المذهب، وحذّر من التعصب الديني والمذهبي لأجل غايات شخصية، دعا إلى الفصل الواضح بين الأديان والمدنيات، إذ كتب: "وما دام قومنا لا يميّزون بين الأديان، التي يجب أن تكون بين العبد وخالقه، والمدنيات التي هي بين الإنسان وابن وطنه أو بينه وبين حكومته، والتي عليها تبنى حالات الهيئة الاجتماعية والنسابة السياسية، ولا يضعون حداً فاصلاً بين هذين المبدأين الممتازين طبعاً وديانةً، لا يؤمل نجاحهم في أحدهما ولا فيهما جميعاً".

أما الشيخ الحلبي عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902)، الذي رأى أن السلطة الدينية والسلطة السياسية لم تتحدا في الإسلام إلا في عهود الخلفاء الراشدين، فقد نبّه من مخاطر "الاتجار" بالدين واستغلاله في إذكاء النزاعات الطائفية والتفرقة الدينية، ودعا قومه من المسلمين والمسيحيين إلى الاهتداء بتلك الأمم التي "هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري"، وإلى جعل الأديان "تحكم في الأخرى فقط"، والاجتماع في الدنيا على قاعدة "كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء"[3].

غياب دولة المواطنة وتداعايته

بيد أن حركة النهضة هذه لم تُستكمل من جانب أولئك الذين أقاموا أنظمة ما بعد الاستقلال، والذين عجزوا عن بناء دولة المواطنة وإقامة أنظمة سياسية ديمقراطية، الأمر الذي هيأ التربة لصعود التيارات الأصولية والحركات التكفيرية، وتسبب في تعزيز الانتماءات الطائفية، وفي الانكفاء على الذات، بحيث حلت التضامنات ما قبل الوطنية محل التضامن الوطني بين مواطني البلد الواحد.

وقد تفاقمت ظاهرة تغليب الولاءات الطائفية والدينية على الولاء الوطني في العقود الأخيرة، الأمر الذي تسبب في تعاظم هجرة المواطنين المسيحيين إلى الخارج، فضلاً عن أسباب أخرى شجعتهم على هذه الهجرة، منها حالة عدم الاستقرار السياسي، وأعمال العنف التي تستهدفهم، والحروب التي تشنها إسرائيل والرغبة في الحصول على ظروف معيشية وفرص اقتصادية وثقافية أفضل.

وهكذا، فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سنة 1975، غادر عشرات الألوف من المسيحيين لبنان، وبات عدد الموارنة خارج لبنان يفوق عددهم داخل لبنان نفسه. وبين سنتَي 2003 و2014، اختفى 90% من المجتمع المسيحي في العراق، ولم يعد هناك وجود لأي مسيحي تقريباً في مدينة مثل الموصل، التي كانت يوماً ما إحدى منارات الوحدة الوطنية بين المسلميين والمسيحيين. كما غادر أكثر من 300 ألف مسيحي سورية بين سنتَي 2011 و2014. وتواصلت هجرة المسيحيين من فلسطين، حتى صار وجودهم محدوداً جداً في مدن وبلدات مثل القدس والناصرة وبيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا[4].

اختفاء المسيحيين من المشرق العربي كارثة قومية وحضارية

إن المواطنين المسيحيين، بمختلف طوائفهم وطقوسهم، يمثلون ركيزةً للحوار والاعتدال في بلدان المشرق العربي. وإن عزلهم أوتهميشهم يحرم المنطقة بأسرها من ركيزةٍ للتوازن الاجتماعي، وبالتالي للتوازن السياسي أيضاً. إن كنائسهم وأماكن عبادتهم تحمل في طياتهم تاريخاً متواصلاً منذ بدايات المسيحية؛ ولو اختفى المسيحيون، لتحولت هذه الكنائس والأماكن إلى مجرد مواقع تاريخية[5].

وكما قال هنري لورنس، المؤرخ الفرنسي والأستاذ في "كوليج دو فرانس"، فإن اختفاء المسيحيين من المشرق العربي "سيعني كارثة، ذلك أن التنوع مصدرٌ للإثراء؛ وبفضل دينامياتهم الحضارية الخاصة، لعب مسيحيو الشرق دوراً كبيراً، على مدى قرن ونصف، في التكوين الثقافي للمنطقة"، وأضاف قائلاً: "ستظل هناك دائماً مجموعات متبقية في المنطقة؛ فالمسيحيون يساهمون في تشكيل الصورة الذهنية لعدد من دول تلك المنطقة، وستستمر الهوية المسيحية الشرقية لأن هناك رجالاً ونساءً يحافظون على طقوس دينية وثقافة ولغة خاصة بهم؛ صحيح أن الكثيرين قد هاجروا، لكن إلى متى ستصمد هذه الهوية؟ هذا لغز!"[6].

عود على بدء

بالعودة إلى بيان المطران عطا الله حنا، الذي تضمن دعوة ملحة لمواجهة الفكر المتطرف ثقافياً وتربوياً، وترسيخ الفكر الوحدوي الرافض للكراهية والطائفية والعنصرية، أقول إن الأدبيات التي يمكن الاعتماد عليها للقيام بهذا العمل الثقافي والتربوي متوافرة في تراث رواد النهضة العربية، وفي كتابات المفكرين المعاصرين الذين سعوا، في ظروف تاريخية مغايرة، إلى اقتفاء أثرهم؛ المهم أن تحسم السلطات العربية أمرها وأن تدرج هذه الأدبيات في المناهج التعليمية، وأن تكرس مادة خاصة باسم مادة التربية المدنية لمنهاج المدارس الإعدادية والثانوية.

والواقع، أن رواد النهضة العربية أدركوا أهمية تعليم مادة التربية المدنية، التي أطلقوا عليها في زمانهم اسم التربية السياسية، معتبرين أن نشر الوعي الوطني بين أبناء الوطن وبناته يتطلب تشجيعهم على الاهتمام بالشأن العام، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال التربية السياسية. وفي هذا الصدد، تساءل رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873): "فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان، بعد تمام تعليم القرآن الشريف والعقائد ومبادئ العربية، مبادئ الأمور السياسية والإدارية ويوقفهم على نتائجها...، وهل هذا التعليم إلا إيقاف أهل الوطن على معرفة حقوقهم وواجباتهم؟". بينما رفض أديب إسحق (1856-1885) أن تكون السياسة وقفاً خاصاً، أو احتكاراً لفئة معينة، ورأى أن من حقوق الإنسان، بل من واجباته، "أن ينظر فيما يمسه وما يحيط به من الأمور الدنيوية والأحوال الاجتماعية"، وقدّر أن الإنسان الذي يتملّك الأدب السياسي، هو "الإنسان المدني الكامل الحقوق والواجبات" و "العليم بالمصلحة العمومية والحدود الشخصية"[7].

لعل قيام دولة مواطنة يظل حلماً في واقعنا العربي الراهن، لكن عزل الفكر المتطرف والإقصائي أمر في متناول اليد، إذا ما توفرت إرادة التصدي الحازم له.

[1] مينا أشرف، "إدانات للهجوم على كنيسة بالكرك بالأردن.. ومطالبات بملاحقة الجناة ومواجهة الفكر المتطرف"، "مبتدا"، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

[2] Joseph Maila, « Réflexions sur les chrétiens d'Orient », « Confluences Méditerranée », N. 66, 2008/3 .

[3] ماهر الشريف، "رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام"، "الحوار المتمدن"، العدد 2678، 15 حزيران/يونيو 2009؛

------------- "مضامين مفهوم المواطنة في فكر رواد النهضة العربية"، « Presses de l' IFPO » « OpenEdition Books”.

[4] Xavier Lacroix, « Chrétiens d'Orient : une présence ancienne, un avenir incertain », « Questions internationales », N. 95-96, 2019/1.

[5] Leonardo Visconti di Modrone, « Le déclin de la présence chrétienne en Terre Sainte », « L'Osservatore Romano », 14 octobre 2025.

[6] Aurélie Julia et Isabelle Safa, « Entretien avec Henry Laurens : le lent exode des chrétiens d'Orient », « Les Cahiers de l'Orient », N. 118, 2015/2.

[7] الشريف، "مضامين مفهوم المواطنة في فكر رواد النهضة العربية"، مصدر سبق ذكره.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.