ثابت العمور (الميادين)
شهد المشهد السياسيّ الليبيّ تحوّلاً جذرياً لافتاً بعدما صادق مجلس النواب الليبي—الذي يتخذ من بنغازي (شرق البلاد) مقراً له—في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقّعة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بين حكومة "الوفاق الوطني" السابقة في طرابلس وتركيا، بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط.
وقد كنا أشرنا في مقال سابق بعنوان "المشهد الليبي وتدوير النفوذ ما بعد إزاحة عقيلة صالح"، نشرته "الميادين نت" في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، خلص إلى أن الإطاحة بصالح ستفضي إلى تقارب ليبي-تركي، وهو ما حدث؛ إذ وافق البرلمان الليبي على الاتفاقية بعدما كان يرفض ذلك. والسؤال: ما الأبعاد والدلالات المترتبة على مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا؟
لم يقتصر التحوّل الحاصل في المشهد الليبي عقب الإطاحة بعقيلة صالح على مصادقة البرلمان الليبي بالإجماع على الاتفاقية البحرية مع تركيا، ولكنه تدحرج وشمل إلغاء قرارين أصدرهما المجلس عام 2020، يتعلقان بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة ورفض المصادقة على مذكرتي التفاهم الموقعتين معها.
وبالتالي، فإن خطوة المصادقة البرلمانية لا تمثل مجرد إجراء تشريعي روتيني، بل هي تفكيك لإرث كامل من الاستقطاب السياسي والعسكري الذي ميز صراع الأشقاء بين معسكري الشرق والغرب. وفيما بدا للكثيرين في عام 2019 أن المذكرة البحرية التي وقعها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس حكومة الوفاق السابقة فايز السراج هي وثيقة انقسام تعمق الشرخ الليبي، جاء قرار البرلمان ليُعيد صوغ الموقف القانوني والسياسي للدولة الليبية بأكملها إزاء ثروات شرق البحر الأبيض المتوسط.
لا يمكن قراءة هذه الاستدارة البرلمانية المفاجئة بمعزل عن الهزة التنظيمية التي ضربت رئاسة مجلس النواب؛ إذ جاء صعود الصالحين عبد النبي العبيدي إلى دفة القيادة كبديل للمستشار عقيلة صالح بمنزلة إعلان رسمي عن انتهاء حقبة "الفيتو المطلق" ضد الوجود التركي شرقاً.
ذلك أن العبيدي لا يحمل إرث الخصومة مع أنقرة، بل على العكس تماماً، يُنظر إليه كمهندس للتقارب الدبلوماسي منذ ترؤسه "لجنة الصداقة البرلمانية الليبية- التركية." ويبدو أن هذه الخلفية سمحت للرجل بلعب دور الجسر السياسي بين جنرالات برقة وصناع القرار في أنقرة، مستبدلاً خطاب "الغزو والتدخل الأجنبي" بلغة المصالح والتصالح. وبدلاً من أن تكون الاتفاقية البحرية منصة لاستهداف معسكر الشرق، تحولت إلى ورقة مناورة توفر لشرق ليبيا غطاءً استثمارياً كبيراً.
كلمة السر في موافقة مجلس النواب الليبي وبالإجماع، وانقلاب موقفه من الرفض المطلق عام 2020 إلى المصادقة بالإجماع تُختصر في متغيرين؛ الأول: تبدل موازين القوى الداخلية والتغيرات العميقة في القيادة البرلمانية، والثاني: استراتيجية التوازن الإقليمي التي اعتمدتها تركيا.
وقد شهد البرلمان الليبي انعطافة تنظيمية مهمة سبقت المصادقة البرلمانية بأسابيع قليلة؛ إذ انتخب أعضاء مجلس النواب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً جديداً للمجلس. هذا الانتخاب جاء ليُنهي حقبة تاريخية استمرت نحو 12 عاماً تحت رئاسة المستشار عقيلة صالح، الذي عُرف تقليدياً بقربه من المحور المصري ورفض الوجود التركي. وعليه، فإن انتخاب العبيدي مهّد الأرضية داخل معسكر الشرق لتقبّل الشراكة مع أنقرة وتحييد الخصومة السابقة.
يُذكر أنه في عام 2019، كان الاتفاق البحري والأمني جزءاً لا يتجزأ من الصراع المسلح؛ إذ تدخلت تركيا عسكرياً لدعم حكومة الوفاق في طرابلس لصد الهجوم الذي شنّه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. أما اليوم، فقد انتهت العمليات العسكرية المباشرة وحلّت التفاهمات السياسية والمصالح الاقتصادية محل لغة المدافع، بعدما أدركت القيادات السياسية والعسكرية في الشرق الليبي أن تجاوز نفوذ أنقرة في الملف الليبي بات أمراً مستحيلاً، وبالتالي تحوّلت المقاربة داخلياً من الصدام إلى التصالح، وإقليمياً من الرفض إلى المصادقة.
قامت أنقرة على مدار السنوات الماضية بتعديل دبلوماسيتها في ليبيا وتطويرها باتجاه التوازن، فلم تعد تحصر علاقاتها بحكومة الغرب في طرابلس، بل انفتحت بشكل موسع على الفاعلين الأساسيين في برقة وفزان؛ واستقبلت المسؤولين من الشرق، ودعمت مشاريع البنية التحتية هناك، الأمر الذي قلل من الحسبة الحزبية والجهوية وحوّلها في نظر معسكر الشرق ونوابه إلى حسبة وطنية سيادية يمكن الاستفادة منها بدلاً من التنازل عنها.
لا تخلو مصادقة مجلس النواب الليبي بالإجماع على الاتفاقية من الدلالات، وأهمها أن هناك تحوّلات بالفعل قد حدثت داخل المشهد الليبي؛ إذ لأول مرة منذ توقيع الاتفاقية عام 2019، يحدث توافق بين الأجسام التشريعية والتنفيذية في شرق البلاد وغربها على ملف استراتيجي يخص السياسة الخارجية وثروات الطاقة. وبالتالي، فإن ترحيب المجلس الأعلى للدولة بالاتفاقية يوفّر لليبيا موقفاً قانونياً ومفاوضاً أكثر تماسكاً وقوة في المحافل الدولية، لا سيما عند مناقشة ترسيم الحدود البحرية مع دول الجوار.
وقد كان الطعن الأساسي المحيط بالمذكرة من جانب القوى الإقليمية والمحلية المعارضة يرتكز على أنها وُقّعت من طرف حكومة الوفاق التنفيذية من دون الحصول على مصادقة السلطة التشريعية المنتخبة المتمثلة في مجلس النواب، ولكن الآن بعد صدور المصادقة بالإجماع، يكتمل النصاب القانوني والدستوري.
تداعيات المصادقة على الاتفاقية تمدّدت خارج الحدود الليبية وأعادت خلط الأوراق والتوازنات والتحالفات القائمة في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ فعلى المستوى التركي تمثل مصادقة البرلمان انتصاراً دبلوماسياً وقانونياً كبيراً لاستراتيجية أنقرة البحرية المعروفة بـ "الوطن الأزرق." وعلى مدار سنوات، سعت تركيا لكسر طوق العزلة البحرية الذي حاولت اليونان وقبرص فرضه عليها عبر تحالف "منتدى غاز شرق المتوسط"، والمصادقة البرلمانية تمنح تركيا سنداً قانونياً دولياً يقطع الطريق على محاولات عزلها بحرياً.
في التقاطعات الإقليمية خارج الجغرافيا الليبية أيضاً، تضع المصادقة على الاتفاقية العلاقات المصرية- التركية، التي شهدت تحسناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، أمام اختبار دبلوماسي معقد؛ لا سيما بعد أن سارعت القاهرة إلى إعلان رفضها القاطع لقرار التصديق، معتبرة أن المذكرة "باطلة بطلاناً مطلقاً ومعدومة الأثر القانوني" لكونها تمس بمطالباتها الخالصة وجرفها القاري. ولكن، رغم الرفض المصري، فإنه لا يُتوقع أن يؤدي هذا الخلاف بالضرورة إلى قطيعة جديدة، نظراً إلى حرص البلدين على استمرارية التفاهمات الاقتصادية الكبرى، وتنامي الرغبة المشتركة في دفع جهود توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية الليبية كضمانة للاستقرار الإقليمي الشامل.
إن أبعاد الاتفاقية وحيثياتها والمصادقة عليها تتجاوز مجرد استكشاف الغاز الطبيعي التقليدي لتشمل ملفات الأمن البحري الاستراتيجي، وحماية البنية التحتية الحيوية ككابلات الإنترنت البحرية وأنابيب نقل الطاقة. لذلك، تُبدي الدوائر الأمنية والسياسية في "إسرائيل" قلقاً متزايداً من تنامي الوجود والسيطرة البحرية التركية على هذه الممرات المائية الحيوية، لما قد يمثله ذلك من عائق لوجستي أمام مشروعات نقل الغاز من حقول شرق المتوسط نحو الأسواق الأوروبية.
ختاماً، قرار مجلس النواب الليبي بالمصادقة بالإجماع على الاتفاقية البحرية مع تركيا يشكل انعطافة بارزة نقلت الملف من ساحة الاستقطاب الداخلي إلى مربع الاستراتيجية القومية الموحدة للدولة الليبية. وقد نجحت حسابات البراغماتية السياسية وتغيّر قيادة البرلمان في تحويل ما كان يُنظر إليه بالأمس كأداة انقسام عسكري إلى منطلق لتعزيز الموقف التفاوضي الليبي وبناء شراكات اقتصادية مستقرة. وعليه، فإن أهم دلالات المصادقة على الاتفاقية أنها قد تكون مدخلاً لترسيخ التوافق داخل المشهد السياسي الليبي والذهاب به نحو الوحدة والشراكة.