(نسمة الحرازين - مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
لم يأتِ شهر رمضان على غزة كما اعتاد أهله؛ إذ إنه الأول بعد وقف إطلاق النار. فيكاد يخلو القطاع من مظاهر الزينة، والموائد لم تعد عامرةً كعهدها قبل الحرب؛ إذ نزح معظم أهل غزة عن بيوتهم، واتخذوا من الخيام مستقراً لهم. إن رمضان في غزة ليس مناسبة دينية فقط، بل هو أيضاً حالة إنسانية مركبة تختلط فيها الروحانية بالمعاناة، والتكافل بالحاجة، والصبر بالحنين. إنه شهر يعيد ترتيب الأولويات؛ حيث تصبح لقمة الإفطار هدفاً يومياً، ويغدو الاجتماع حول صحن بسيط مساحة نجاة موقتة من ضغوط الواقع المؤلم.
طقوس مع الألم
مع اقتراب ساعة المغيب، تستعيد الحياة حركتها داخل مخيمات النزوح المنتشرة في مخيم "أطياف العودة" التابع لمخيمات "الإسراء 2" داخل محافظة خانيونس، وتجهز النساء الطعام على نار مكشوفة، وقودها نايلون و"برابيش" وإسفنج في ظل انعدام الحطب. وعلى مقربة من قدور النار، يقف الأطفال مترقبين موعد الأذان. فلا مطابخ مجهزة، ولا وسائل تبريد لحفظ الطعام؛ إذ لا يمتلك الناس في خيامهم سوى قدور صغيرة، ونياران موقدة، بينما يتصاعد الدخان في الهواء حاملاً روائح البلاستيك والمواد المحترقة التي تطغى رائحة العدس والمعكرونة والأرُز.
تقول نسرين (أم أمجد)، وهي أم لأربعة أطفال نازحة من بيت حانون: "إن إعداد وجبة الإفطار لم يعد مجرد واجب منزلي، بل [أضحى] مسؤولية معنوية أيضاً"؛ إذ تسعى نسرين لمنح أطفالها الصغار شعوراً بأن رمضان ما زال يحمل بين طياته دعاء وحياة جميلة ولو بقدرٍ ضئيل. وتضيف بابتسامة هادئة، وهي تقطّع البطاطا "نقسم التمرات بعدل، وننتظر الأذان معاً، ونحاول أن نبتسم على الرغم من الجراح؛ لأنه شهر كريم."
ضمن هذه التفاصيل اليومية، يتجلى معنى التكيف، فالعائلات التي فقدت منازلها تحاول إنشاء بيئة بديلة، حتى ضمن خيمة لا تقي حراً ولا برداً. فقد أمسى الصحن البسيط على موائد العائلات في غزة رمزاً للصمود، كما يساهم تبادل الأطعمة البسيطة مع الجيران في تعزيز هذا الصمود، وفي توثيق الصلات بين الناس، ولا سيما أن أناساً كثُر في رحلة النزوح قد تعارفوا وبنوا روابط جديدة.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، برزت بعض المبادرات الأهلية والتطوعية كخيط أمل في رمضان، يساعد بعض العائلات. فينشط شباب هذه المبادرات في توزيع وجبات الإفطار، وجمع التبرعات للمواد الغذائية والماء والتمور؛ إذ يذكر أمير سكر، وهو أحد المتطوعين في المخيم: "رمضان هذا العام مختلف.. كل يوم نحاول أن نقدم شيئاً بسيطاً يخفف عن الناس، حتى لو لم يكن كاملاً، لكن المهم ألاّ يشعروا بأنهم تُركوا وحدهم."
وتأتي هذه المحاولات الأهلية في ظل ارتفاع هائل للأسعار شهدته الأسواق مع حلول شهر رمضان، ومع معدلات فقر تطال معظم أهالي قطاع غزة؛ إذ تجاوزت نسب بطالة إلى 80%، وقد انعكس هذا الواقع على الأسواق، التي تشهد حالة ركود اقتصادي جرّاء ضعف القدرة الشرائية ونقص السيولة النقدية؛ فأصبح سكان القطاع يركزون إنفاقهم على السلع الأساسية فقط، وهو ما أثّر بدوره في التجار والنشاطات الاقتصادية المتعددة، وفق ما بيّنَه الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر تيسير الطباع.
شرق البريج… وخوف مستمر
لا تختلف فائقة الصوص المقيمة بشرق البريج عن أمير في الرأي، لكن لهذا الاختلاف لدى الصوص ما يعززه، وهو قُرب بيتها مما يُسمى "الخط الأصفر"، الذي فرضه جيش الاحتلال داخل قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025. تقول فائقة: "إن رمضان هذا العام يفتقد الأجواء المعتادة؛ لا زيارات موسعة، ولا سهرات رمضانية طويلة." وتشير إلى تلقي مساعدات غذائية محدودة تصفها بأنها "غير رمضانية"، في إشارة منها إلى غياب الأصناف التقليدية التي اعتادها الفلسطينيون في هذا الشهر. كما تؤكد أن غلاء المواصلات وصعوبة التنقل حدّا من صلة الأرحام، الأمر الذي جعل الزيارات العائلية خجولة ومقتضبة. وتضيف أن الناس في غزة "يفكرون بفطورهم، ولا أحد يفكر بالعيد."
طابور "التكية".. انتظار تحت شمس خانيونس
قبيل العصر من كل يوم، يمتد طابور "التكية" يومياً. نساء يحملن أواني فارغة، وأطفال صغار حفاة يرقبون القِدر الكبير، ورجال مسنون يتكئون على عصيهم، أيضاً منتظرين. يقول أبو محمد، رجل سبعيني فقدَ مصدر رزقه الزراعي، إنه ينتظر وجبة التكية لأنها باتت وسيلته الأساسية للإفطار. أمّا أبو إياد، الذي يعمل على بسطة خضار بعد أن فقدَ أولاده الأربعة، في إثر النزوح الأخير من شمال غزة، فيشير إلى أن الارتفاع الحاد في الأسعار مع بداية رمضان زاد من معاناة الأُسر ذات الدخل المحدود.
وفي طابور التكية، يتحوّل الانتظار إلى لحظة تضامن جماعي. وعلى الرغم من قسوة المشهد، وقسوة هذا الانتظار، فإن الناس تحرص على كرامتها، فيتسلمون حصصهم بصمت ويمضون إلى خيامهم.
رمضان الأول الذي لم يكتمل
تزوجَت الشابة العشرينية ندى أبو العوف، قبل الحرب بشهرين؛ إذ كانت تخطط لاستقبال رمضانها الأول في كنف بيتها الجديد، وحلمت بزينة صغيرة وسحور مشترك ولمة عائلية دافئة، لكن الحرب غيّرت المسار سريعاً؛ نزحت مع زوجها إلى رفح في الجنوب، وتلقّت هناك خبر قصف بيتها. تعيش اليوم في خيمة، زيّنتها بأحبال الزينة الرمضانية. أنجبت خلال عاميْ الحرب طفلها الأول، فألبسته لمناسبة رمضان جلباباً أبيض وقبعة حمراء؛ إذ تصر على ألاّ تفقد معنى الشهر وجوهره، فتقول: "إن الحنين إلى البيت لا يفارقها." ثم تضيف بصوت جهور وهي ترتب مائدة طعامها: "رمضان ليس مكاناً، بل قلوب تجتمع"؛ حيث تعتبر شهر رمضان مساحة لإعادة تعريف الفرح، ولو في أبسط صوره.
مصعب مدوخ.. أول رمضان بعد الاعتقال
إن مصعب مدوخ أسير محرر أمضى عاماً في السجن خلال الحرب الأخيرة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي. يعمل حالياً مسؤولاً عن فريق النبراس للأسرى المحررين. وقد خرج من سجنه، ونال حريته التي اختلطت بمرارة فقده لزوجته وأفراد عائلته بعد استشهادهم. يعبّر عن ذلك قائلاً: إن أصعب اللحظات هي تلك التي تسبق الإفطار، حين تستحضر الذاكرة وجوه مَن غابوا.
وعلى صعيد آخر، يشير مصعب إلى أن غلاء الأسعار ونقص المواد الغذائية يضاعفان العبء على العائلات، وأن المساعدات -على أهميتها- لا تكفي لسدّ الحاجات المتزايدة. ومع ذلك، فهو يسعى مع متطوعين آخرين لتنظيم مبادرات بسيطة للأطفال داخل الخيام.
أحلام الشمالي وطلبَتها
تشكل خيمة موقتة بما في داخلها نقطة تعليمية تجمع بين مُدرسين وطلبة صغار فقدوا الدراسة، تكتب أحلام الشمالي، معلمة رياض الأطفال، عبارات ترحيب برمضان؛ إذ تعلّق خيوط زينة بسيطة، وتُعِدّ نشاطات رسم ولعب بغية تخفيف حدّة التوتر عند الأطفال.
فقدت أحلام شقيقتها الكبرى وأبناءها خلال الحرب، ومع ذلك، فهي تحلم بأن الغد أفضل، وبأن العالم سيسمع صوتنا، كما ترى أن الاستمرار في التعليم يمنح الأطفال إحساساً بالاستقرار. فإن نقاطاً تعليمية مؤقتة كهذه تشكل عنصراً أساسياً في التخفيف من آثار الصدمة، وتعكس جهوداً أهلية للحفاظ على توازن الأطفال النفسي وسط واقع متقلب، وإعدادهم لمستقبل واعد.
إن رمضان هذا العام ليس كما كان سابقاً؛ إذ تُختبر فيه قدرة الناس وصبرهم على التكيف مع واقع متغير بين الثبات والصمود، من دون كهرباء ومنازل ومن دون أدنى مستويات العيش الكريم. فمن خيام النازحين، إلى طوابير التكايا، إلى مصليات المصلين في قطاع غزة، تتكرر مشاهد الصبر والتماسك.