دراسات

التنظير السياسي الصيني المعاصر: دعوة للالتفات العربي

post-img

(د. وليد عبد الحي - مركز الزيتونة)
مقدمة: 
لم تعد المكانة الصينية في سُلَّم القوى الدولي موضع خلاف في الرأي، إذ تُجمِع نماذج قياس القوة، مع تباين منهجيات القياس، على مسألتين لهما دلالة استراتيجية: الأولى أنّ الصين والولايات المتحدة هما القوّتان، أو القطبان، الأقوى في محصلة مجموع مؤشرات القوّة، أما الثانية فهي أنّ تسارع التقدّم في أغلب مؤشرات القوّة يميل لصالح الصين على حساب تلكؤ أو تراجع مؤشرات القوّة الأمريكية، وهو أمر يميل القسم الأكبر من الدراسات المستقبلية إلى ترجيحه. ولعل ذلك يستدعي الوقوف عند الرؤى النظرية التي تقف وراء الصعود الصيني من ناحية، والبحث في الاستراتيجيات العربية المستقبلية للتكيّف مع هذا التحوّل في بنية موازين القوى الدولية من ناحية ثانية.

إنّ التخطيط الاستراتيجي في العلاقات الدولية يستدعي فهم المنطلقات الفكرية والفلسفية لأطراف هذه العلاقات، وفي ظلّ المكانة المتقدّمة للدولة الصينية في شبكة العلاقات الدولية المعاصرة، فإن الضرورة تقتضي معرفة الإطار الفكري الذي تتحرك الدولة الصينية انطلاقاً منه. فالجامعات ومراكز الدراسات العربية أسيرة الفكر الغربي (دون إنكار أهمية معرفة هذا الفكر)، لكن اقتصار المتابعة والدراسة على الجانب الغربي دون إيلاء القوّة الدوليّة الصاعدة والأسرع في تطوّرها الاهتمام الكافي يمثّل استكمالاً لشروط الهيمنة الغربيّة على المنطقة العربيّة، وهو ما يستوجب التحرّر منه.

يُقدِّم المفكّرون الصينيون المعاصرون تصوّرات نظرية لفهم الواقع الدولي لا تبدو أنّها تلقى رواجاً في المؤسسات السياسية أو البحثية العربية. فالمكانة المتطوّرة للصين منذ سنة 1978 (مع طرح برنامج التحديثات الأربعة) ليست منفصلة عن التطوّر في أدبيات العلاقات الدولية الصينية؛ إذ أعاد الصينيون النظر في وحدة تحليل العلاقات الدولية، ومناهج تحليل الظواهر الدولية، ومنظومة القيم الحاكمة للتفاعل الدولي. ولم يكن هذا الجهد التنظيري الصيني منفصلاً عن التراث الفلسفي أو الثقافي للمجتمع الصيني.

إنّ حدود العلاقة بين “النخبة الفكرية” ودوائر صنع القرار السياسي في الصين متماهية إلى حدّ بعيد، وسنُدلّل في الصفحات اللاحقة على أن الرؤى الاستراتيجية النظرية التي يطرحها المفكرون الصينيون هي المرشد للسلوك السياسي الميداني الصيني، سواء في مشروع الحزام والطريق Belt and Road Initiative (BRI)، أم الصعود السلمي، أم الأطروحات الأمنية…إلخ، وهو ما يعزّز دعوتنا للباحثين وصنّاع القرار إلى الالتفات إلى هذه الأدبيات السياسية ودراستها بعمق.

المرتكزات النظريّة للمنظور الصيني المعاصر للعلاقات الدولية:
سنقوم في هذه الدراسة بعرض أفكار أبرز المفكِّرين الصينيين المعاصرين، ثم نحاول تحديد السمة العامة المشتركة بينهم لتحديد الإطار النظري الذي يوجّه الرؤى الصينية للعلاقات الدولية، ثم بيان كيف يمكن توظيف هذه الرؤى عربياً.

1. المفكرون الصينيون المعاصرون وأبرز افكارهم:

‌‌أ. يان شيويتونغ Yan Xuetong:
ينطلق شيويتونغ في رؤيته للعلاقات الدولية من نقد أحد أركان النظريات الغربية، خصوصاً النظرية الواقعيّة، بشقَّيها الكلاسيكي لدى هانز مورغانثو Hans Morgenthau، والجديد لدى كينيث والتز Kenneth Waltz. فخلافاً للمنظور الغربي القائم على فكرة القوّة والمصلحة في تفسير وإدارة العلاقات الدولية، وحالة الفوضى في النظام الدولي، يرى شيويتونغ أنّ الصعود أو الهبوط في المركز الدولي للدول مرتبط بـ”القيادة القوية التي تسعى للتقدّم من منظور أخلاقي”، أي أنّ هذا المنطلق ينقل التفكير من منظوره المادي البحت إلى منظور “معياري Normative” يُهذِّب المنظور الواقعي. فالمفكّر الصيني يتبنّى منظوراً قائماً على الجمع بين الواقعية والأخلاقية Moral Realism، أي الجمع بين الواقعية بمنظورها الكلاسيكي (القوّة والمصلحة) من ناحية، وتهذيب هذه الواقعيّة بجوهر التراث الكونفوشي القائم على الأخلاق والمصداقية Morality and Credibility من ناحية ثانية.

وبناءً على هذه القاعدة “المادية – المعيارية”، ينتقل المفكّر إلى تطبيق فكرته على كيفية فهم سلوك القوى الكبرى، ويرى أنّ القوى الكبرى التي تسعى إلى قيادة مستندة إلى منظور أخلاقي (بمفهوم شيويتونغ) يجب ألّا تجعل من القوّة المادية متغيّرها الوحيد، بل ينبغي تقديم نموذج أخلاقي جدير بالثقة والمصداقية. وهذا يعني الانتقال من السياسة القائمة على القوّة إلى النموذج القائم على “القيادة المتسلّحة بالمنظور الأخلاقي”، لا على القيادة التي تجعل من مفهوم “الهيمنة القائمة على القوّة المادية” مرشدها الوحيد في الحركة. ويرى أن التنافس الأمريكي – الصيني هو الحالة التي تعكس الوضع الدولي القائم، حيث توجد قوّة دولية تتشبّث بالقوة والمصلحة المتحرّرة من المعيار الأخلاقي (وذهبت مع دونالد ترامب Donald Trump إلى أقصى الحدود)، مقابل قوّة ومصلحة منضبطتين بالمعايير الأخلاقية التي يتبناها المنظور الصيني. وعليه، فهو يرى أن التنافس لن يكون على أساس إجمالي الناتج المحلي أو القوة العسكرية فقط (أي المتغيرات المادية المُعتَمَدة في الأدبيات الواقعية الغربية)، بل لا بدّ من إدخال “الجودة الأخلاقية” للسلوك السياسي الدولي، وهو ما يجعل الصين مستقبلاً البديل للنموذج الغربي السائد.

وانطلاقاً من منظور الحتمية السياسية في الفكر السياسي الصيني القديم، تتّخذ هذه النظرية نمط القيادة السياسية للدول الرائدة في النظام الدولي متغيّراً أساسيّاً لتفسير جوانب مركزية في العلاقات الدولية، مثل: التوجّه الاستراتيجي للدول الكبرى، والتغيّرات في موازين القوى، وتحوّل المشهد الدولي، وتطوّر المعايير الدولية، وتحوّل النظام الدولي برمته. وتستخدم النظرية المساءلة الداخلية (للقيادة) والمصداقية الخارجية (الخارجي) معيارَيْن أخلاقيّيْن، وتُصنِّف قادة النظام الدولي وفقاً لهما.

إنّ المقارنة بين عدد التدخلات العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، أو عدد القواعد العسكرية، أو عدد مرات استخدام حقّ النقض (الفيتو Veto) للاعتراض على التوجّه العام للمجتمع الدولي، تُعد مؤشراً على استقرار مفهوم “القوّة والمصلحة” المتحرّر من أيّ ضوابط أخلاقية. ولعل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خير شاهد على ذلك.

ويتنبأ البروفيسور شيويتونغ بأنّ حدَّة التنافس بين الصين والولايات المتحدة حتى سنة 2035 لا تعني بالضرورة الحرب. ويشير إلى أنّه مع تقلّص الفجوة في القوّة بين الدولتين العُظميَيْن، قد يتبنى كلاهما مزيداً من الحذر، وفهماً متبادلاً أوضح لاستراتيجيات كلّ منهما، وآليات أكثر فعالية لإدارة تنافسهما، أي أنّ المفكّر الصيني يرجّح تحوّل العلاقات الصينية – الأمريكية من منظورها الصفري إلى منظور غير صفري، وهو ما يعني الإدارة “الأخلاقية” للتنافس.

ولعل ذلك يُفسّر رؤيته المستقبلية القائمة على استبعاده انتصاراً صينياً حاسماً أو انهياراً أمريكيّاً، بل يتصوّر عالماً تتآكل فيه مصداقية أمريكا، ليس بسبب تصرفات الصين، بل بسبب عدم الاستقرار السياسي داخل الولايات المتحدة. ويرى أنّ شبح “أمريكا أولاً” (أو “أمريكا وحدها”) الذي يعود كلّ أربع إلى ثماني سنوات (أي مع تجدّد الرؤساء) سيفرض على حلفاء أمريكا إعادة نظر جذرية في كيفية حساب رهاناتهم على الولايات المتحدة، ولعل التوتر الأمريكي – الأوروبي الحالي يُشكّل مؤشّراً أوليّاً على احتمال تطوّر ذلك.

ولا ينفي المفكّر الصيني أن يكون التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة شديداً، على الرغم من وجود آليات فعّالة لإدارته، قد تُزيل خطر نشوب حرب مباشرة. ويتوقّع أن تفقد الولايات المتحدة تفوّقها الواضح على الصين في العلاقات الاستراتيجية بين القوى العظمى تدريجيّاً، وستكون علاقات الصين الاستراتيجية مع البرازيل وروسيا أقوى من علاقات أمريكا مع هاتين الدولتين، وستتبنى ألمانيا وفرنسا استراتيجيات تَحَوّط محايدة نسبياً في التنافس الصيني – الأمريكي. كما ستحافظ الهند واليابان والمملكة المتحدة على علاقات استراتيجية أقوى مع الولايات المتحدة مقارنةً بالصين، على الرغم من تضاؤل رغبتها في المشاركة الفعّالة في احتواء الصين، وكلّ ذلك سيقود إلى أن تفقد الولايات المتحدة موقعها المهيمن دوليّاً.

ويضيف شيويتونغ، أنّه حتى لو عدّلت الإدارات الأمريكية التي ستلي ترامب استراتيجيتها الأحادية، فقد لا تستعيد أمريكا تفوّقها على الصين في التنافس الاستراتيجي العالمي الذي استمر حتى سنة 2022، أيّ التفوّق الاستراتيجي الذي منحه الصراع الروسي – الأوكراني للولايات المتحدة. فقد يظل التنافس الاستراتيجي الصيني – الأمريكي محتدماً بعد انتهاء ولاية ترامب الثانية، لكن من الممكن أن يضع البلدان آليات جديدة لإدارة المنافسة، مما يوجِد ديناميكية تنافسية طويلة الأمد، ومستقرة، وخالية من الحروب.

ويرى المفكر الصيني أنّ التنافس الأمريكي – الصيني سينصبّ على البُعد التكنولوجي، وأنّ القطبية الثنائية (الصين – الولايات المتحدة) هي التي ستسود. وستتشكّل مراكز ثقل العلاقات الدولية على النحو التالي: الصين ومعها روسيا والبرازيل، في مقابل تقارب الولايات المتحدة مع الهند واليابان وبريطانيا، بينما تميل كلّ من فرنسا وألمانيا إلى علاقات متوازنة وأقرب إلى الحياد بين الكتلتين. وبهذا يتحدّد دور القوى الوسطى في الحراك الدولي، إذ إنّ الجذب نحو النموذج الصيني بدأ يتضح في انجذاب البرازيل بقوّة نحو بكين، كما ستصبح روسيا شريكاً للصين بدلاً من أن تكون منافساً (كما كان الوضع من منتصف الخمسينيات إلى سنة 1976)، وستميل اليابان إلى تبنّي مواقف أكثر حذراً، بينما تتّخذ القوى الأوروبية مواقف أقرب إلى الحياد. وكل هذه التحوّلات، إنْ تحقّقت، ستمثّل إعادة هيكلة عميقة للنظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وبالتالي فإنّ النموذج غير الصفري سيصبح أكثر قبولاً، ويُشكّل ذلك مقدّمة لنظام دولي أكثر عدلاً واستقراراً.

‌ب. تشين ياتشينغ Qin Yaqing – أستاذ جامعي:

يمكن توصيف منهجيّة هذا المفكّر الصيني بأنّها “ما بعد وضعية Post-positivism”، ويستند في خلفية تفكيره إلى الثقافة الصينية التقليدية، وخصوصاً الثالوث المعهود في بنية التراث الصيني، وهي: العلاقات Guanxi، والعملية Process، والتناغم Harmony. ويرى أنّ الخلل في المنظور الغربي للعلاقات الدولية، خصوصاً في أبرز نظرياته (الواقعية، والليبرالية، والبنائية)، يتمثّل في تركيزها على خصائص Attributes الدول، مثل القوّة والنظام السياسي. بينما يرى، استناداً إلى المنظور التراثي الصيني، أنّ التركيز الأدق يجب أن يكون على “العلاقات”، التي ينبغي أن تكون وحدة التحليل للسياسة العالمية. فهو يرى، مستنداً إلى الكونفوشية والطاوية، أنّ الهويات والمصالح ليست ثابتة ولا مستقلّة، بل هي في حالة من التشكّل وإعادة التشكّل والتحوّل وفقاً لشبكة العلاقات المتبادلة بين الأطراف أو مكونات البنية. ويرى أنّ هذا المنظور الذي يطرحه هو ما يفسّر الصعود الصيني، فإلى جانب متغيّرات القوّة التقليدية، قامت الصين بإدارة وتطوير علاقاتها مع شركاء متنوّعين من الدول (نامية ومتقدّمة) ومع مؤسسات دولية (حكومية وغير حكومية)، على قاعدة “التشارك في المكاسب وإدراك المصير المشترك للبشرية”، أي التركيز على المنظور غير الصفري المستند إلى نزعة إنسانية.

ولعل المنظور الكونفوشي (الأكثر إنسانية والأقل ميتافيزيقية) والمنظور الطاوي (بنزعته السلميّة القائلة بأنّ الجندي الجيد هو الذي لا يحارب، وأنّ من يقتل لا يجد في القتل فضيلة) يفسّران مفهوم المصير البشري المشترك من ناحية، والمنظور غير الصفري في العلاقات الدوليّة من ناحية أخرى. ويشكّل المنظور العلائقي لدى المفكر الصيني تشين محور التحليل، إذ يربط بين مستويات التنظير المختلفة، فهو، بوصفه أنطولوجيا، يُتيح تبنّي رؤية كونية مختلفة (أي عدم اقتصار النظرة على الإطار الوطني الضيق)، وبصفته منظِّراً، يسعى إلى فهم وتفسير سلوك الأفراد ضمن إطار محدّد هو الإطار السياسي، وبصفته باحثاً فيما وراء المظهر الخارجي (ما بعد وضعي)، يحاول شرح مغزى تحركات السياسة الخارجية الصينية مستنداً إلى كل هذه الأبعاد. فهو يبني منظوراً استراتيجياً، ويسعى إلى تطوير مبادئ عملية مستوحاة من الكونفوشية، ويوفّر وسائل لتقييم مدى التزام الفاعلين بها. وهو لا ينظر إلى هذه الأبعاد منفصلة، بل يراها من خلال شبكة تفاعلاتها ببعضها، أي على المستوى العلائقي.

وهذا يعني أنّ منظور تشين يميل إلى تقييم العلاقات بين الدول في مختلف جوانب التفاعل على أساس درجة “التناغم”، وليس درجة الصراع أو التفوق. كما أنّه يحرّر المنظور السياسي من أطره التقليدية (الدولة أو القومية…إلخ)، ويميل إلى منظور يشمل الإنسانية، وهو بذلك يعكس الإرث الثقافي لمجتمعه من زاويتيه الكونفوشية والطاوية، ويحاول تعميمهما على المجتمع الدولي.

‌ج. وانغ ييوي Wang Yiwei – أستاذ جامعي:
يُحاول هذا المفكّر الصيني أن يبني نظريته استناداً إلى مشروع صيني محدّد هو مبادرة الحزام والطريق. وتقوم فكرته المركزية على “شرعنة” السياسة الخارجية الصينية من خلال “الجاذبية العالمية”، فهو يرى أنّ مبادرة الحزام والطريق، كنموذج تطبيقي، ليست مشروعاً اقتصادياً أو جيوسياسياً فحسب، بل هي نموذج جديد “للتحديث والعولمة” كنقيض للنموذج الغربي القائم على الاستعمار والهيمنة. وهي مستندة إلى منظور “الربح المشترك” (أو المنظور غير الصفري) المعزّز لفكرة المصير المشترك للبشرية.

وعليه، فهو يرى، من منظور معياري، أنّ النظام الدولي يجب أن يسير باتجاه التشاور (وليس التفرّد بالقرار الدولي)، والتعاون (وليس الفرض)، والمكاسب المشتركة (وليس المنظور الصفري). ويرى وانغ ييوي أنّ هذا المنظور يكبح نزعات الحروب والتفاوت الكبير بين المجتمعات، ويضعف احتمالات الأزمات المالية التي تصنعها آليات السوق الرأسمالي التنافسي.

‌‌د. تشنغ بيجيان Zheng Bijian:
تُمثّل نظرية “الصعود السلمي” التي صاغها هذا المفكّر النظرية الأكثر تقبّلاً في دوائر الحزب الشيوعي الصيني Chinese Communist Party. وتستهدف هذه النظرية تعزيز الشعور الدولي بأنّ التطوّر والنمو الصيني لن يكون صعوداً على شاكلة القوى الغربية (بالقوّة والهيمنة)، بل على أساس “شرعنة السلوك الخارجي”، وطمأنة الجوار الصيني من ناحية، والعالم ككل من ناحية أخرى.

وعند النظر في فحوى هذه النظرية نجدها متّسقة مع الأدبيات السياسية الصينية الأخرى؛ فهي تتقاطع مع مفهوم “الواقعية الأخلاقية” لدى يان شيويتونغ، إذ ترى أنّ الصعود لا يتم بالضرورة من خلال المنظور الصراعي (أو ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ”فخّ ثوسيديدس Thucydides’s Trap”). فالصين، وفق هذا التصوّر، قوّة مختلفة أخلاقيّاً عن القوى الغربية. ومع أنّ الواقعية الأخلاقية لا تستبعد التنافس الاستراتيجي، الذي قد يتصاعد إلى مستوى حادّ مع الولايات المتحدة، فإنّها ترى أنّ الصين ستفوز بحكم “الأخلاقية والمصداقية الأعلى لقيادتها”، إذ تقوم نظرية الصعود السلمي على اعتماد وسائل سلميّة أكثر، ومستندة إلى طبيعة قيادة أفضل. أي إنّ الواقعية الأخلاقية تركّز على الطبيعة والهدف (قيادات ذات مصداقية)، بينما تحدّد نظرية الصعود آليات التنافس الدولي في الوسائل السلميّة من منطلق المنظور غير الصفري.

ويبدو أنّ تنامي استخدام مصطلح “التنمية السلمية”، الذي أخذ يحل تدريجيّاً محل “الصعود السلمي”، قد وسّع من حدود النظرية بدلاً من حصرها في الإطار الصيني، إذ بدأت تميل نحو الإطار العالمي. وكانت الحكومة الصينية قد نشرت ورقة بيضاء بعنوان “التنمية السلمية Peaceful Development”، لتجنّب الإيحاء الذي قد يتضمّنه مصطلح “الصعود” من دلالات التسابق أو الصراع.

‌‌هـ. ليو يوجين Liu Yuejin: 

شكّل مفهوم “الأمننة المفرطة Hyper Securitization”، الذي طرحته مدرسة كوبنهاجن Copenhagen School، وناقشه المفكّر المعروف باري بوزان Barry Buzan، خصوصاً بعد أحداث 11/9/2001 مجال اهتمام للمفكّر الصيني ليو يوجين. ويقوم مفهوم الأمننة المفرطة في الأدبيات الغربية على:

· المبالغة في تصوّر التهديد إلى حدّ اعتباره وشيكاً وشاملاً وفي كلّ مكان.
· اعتبار الخطر أمراً مسلّماً به يقتضي الاستعداد له.
· توسيع مفهوم الأمن ليشمل الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
· اعتبار التهاون في مواجهة الخطر مساعدة له.

ومال المفكرون الصينيون للنظر إلى مفهوم الأمننة المفرطة باعتباره “سوء إدراك”، لا سيّما أنّ موضوعاته (الإرهاب، والخطر الصيني، والتكنولوجيا، والأيديولوجيا…إلخ) تُعدّ، من وجهة نظرهم، إفرازاً للنزوع الغربي نحو الهيمنة المفرطة، وبالتالي لتبرير اللجوء المفرط للقوة العسكرية، وهو، من وجهة النظر الصينية، ما يقود الى عدم الاستقرار في النظام الدولي، لأنّه يقود إلى ردّ الفعل المفرط، وغياب الثقة بين الأطراف لأنّه “يُعسكر” كلّ الميادين. ويُمثّل المفكّر الصيني ليو يوجين أحد أبرز نُقّاد مفهوم الأمننة المفرطة، إذ يرى أنّ “تضخيم التهديدات” مؤشّر على الفشل في إدارة الأمن، نتيجة الاختلال في الموازنة بين تقييم المخاطر وتنسيق السياسات وأولويات التنمية، وهو ما يعني وجود خلل في القدرة المؤسسية للدولة يقود لمثل هذه المبالغات. ويوافق ليو يوجين على توسّع مفهوم الأمن من الداخل (الأمن المحلي) إلى الخارج (مع الدولة القومية)، ثمّ إلى الداخل والخارج معاً بفعل التشابك بين وحدات المجتمع الدولي وتسارع العولمة. ويُشير ليو يوجين إلى حداثة مصطلح “الأمن القومي” (نسبياً) في الخطاب السياسي الصيني الرسمي مقارنةً بالعديد من الدول الغربية؛ إذ ظهر المصطلح لأول مرة في الخطاب السياسي الصيني الرسمي سنة 1983، بينما لم يبدأ الخطاب الأوسع نطاقاً بالتحوّل من “الحرب والسلام” إلى “الأمن والتهديد” إلا في تسعينيات القرن العشرين. ويدرس يوجين تطوّر الفكر الصيني حول الأمن منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، ويقرّ بوجود تباين جغرافي في مفاهيم الأمن، مشيراً إلى اختلافات جوهرية في مكانة الدولة وقوّتها، وفي الأيديولوجيا والنظام السياسي، والثقافة، والتاريخ، والجغرافيا.

ويقترح أنّ مفهوم الأمن في الصين مرّ بثلاث مراحل تطوّر:
· من سنة 1949 إلى سنة 1978: ساد مفهوم تقليدي يُركّز على الأمن والأساليب العسكرية في مواجهة التهديدات العسكرية الداخلية والخارجية.
· بين سنتَي 1978 و2012: ظهر مفهوم أمني غير تقليدي، يُركّز على “الأمن الاقتصادي”.
· في عهد شي جين بينغ: برز مفهوم جديد يتمحور حول “الأمن السياسي”، الذي يُعرَّف بأنّه الحفاظ على مكانة وسلطة الحزب الشيوعي الصيني ونظامه.

وقد تعزّز مفهوم الأمننة المفرطة في الأدبيات الصينية، خصوصاً بعد تصريف اليابان للمياه الملوثة نووياً في البحر، ممّا جعل البُعد البيئي يأخذ حيّزاً أوسع في النقاش الأمني.

ويرى ليو أنّ المنظور الغربي للأمن ينطوي على تجاوز التنسيق بين وحدات المجتمع الدولي، وعدم التناسب بين الخطر المفترض واستراتيجيات مواجهته، والتركيز على الأمن على حساب التنمية. وكلّ ذلك يظهر في الأدبيات الغربية من خلال تعميم مفهوم الإرهاب والتهديد الأيديولوجي، وعسكرة القضايا غير الأمنية، واستخدام الأمننة المفرطة لتبرير التدخل الخارجي. ويقترح ليو نموذجاً بديلاً للنموذج الغربي يقوم على الدقّة في فهم الواقع الدولي والمخاطر، وتعزيز الإجراءات الوقائية لمنع تفاقم الأزمات، وتحقيق التناسب بين الخطر والإجراء، وضرورة التكامل بين الأمن والتنمية.

جوهر المنظور الصيني للعلاقات الدولية:
من الواضح أنّ مرتكزات الأدبيات السياسية الصينية، كما يقدمها أبرز منظّريها، تقوم على المحاور التالية:
· غلبة المنظور غير الصفري (إدارة المنافسة بوسائل غير عنيفة وعلى أساس الكسب المشترك).
· اعتبار الأخلاق بُعداً أساسياً في إدارة العلاقات الدولية، في مواجهة المنظور الواقعي الغربي.
· اعتبار التنمية بُعداً مركزياً يعلو على فكرة الهيمنة.
· تكريس الدور الاخلاقي “للقيادة السياسية” لجعل العلاقات الدولية ذات منظور أخلاقي.
· تعزيز مكانة الدولة و”جاذبية نموذجها السياسي” من خلال المنظور الأخلاقي، لا من خلال الهيمنة.
· اعتبار الأمننة المفرطة استراتيجية خطرة، لأنّها تبالغ في تقدير مستوى المخاطر وتتوسّع في مضمونها ليشمل كلّ القطاعات.

2. الشرق الأوسط في المنظور الأمني الصيني:
منذ التحوّل السياسي في الصين بعد غياب الرئيس ماو تسي تونغ Mao Zedong، اتجهت الديبلوماسية الصينية نحو المجتمع بالعمل على تغليب المنظور البراجماتي المنضبط (الواقعية الأخلاقية) على النزوع الأيديولوجي المتزمّت. وهو ما يتّضح في نظرية “لون القط Cat Theory” التي طرحها سنة 1962 الرئيس الصيني الأسبق دينغ هيساو بنغ Deng Xiaoping، والتي تمّ تبنّيها بوضوح بعد التحديثات الأربعة. وقد تجلّت هذه النظرية ميدانياً في السعي نحو التوازن والحوار مع كلّ الأطراف، واعتبار النمو الاقتصادي ذو أولوية أعلى من الإنفاق الدفاعي. ويُضاف إلى ذلك ما تسمّيه الأدبيات السياسية الصينية “نظرية التمثيلات الثلاثة Three Represents”، التي صاغها الرئيس السابق جيانغ زيمين Jiang Zemin، وتقوم على:

· تمثيل متطلبات تطوّر قوى الإنتاج الصينية المتقدّمة، بالتركيز على النمو الاقتصادي والتكنولوجيا والإنتاجية الحديثة.
· تمثيل اتجاه تقدّم الثقافة الصينية، بدعم القيم الثقافية التقدّمية والابتكار بدلاً من الثقافة التقليدية أو الجامدة.
· تمثيل المصالح الأساسية لغالبية الشعب الصيني، بالحفاظ على الاستقرار وتحسين حياة الشعب، وبما يسمح بضم رجال الأعمال والطبقة الوسطى إلى الحزب.

ويُركّز الخطاب السياسي الصيني المعاصر بشأن أمن الشرق الأوسط على عدد من المبادئ الإجرائية، من أهمها:
· مبدأ عدم التدخّل.
· تعزيز الاستقلال الإقليمي.
· دعم التنمية لتحقيق الاستقرار، في إطار مبادرة الأمن العالمي.
· تعزيز نشاطها الديبلوماسي، عبر أداء دور الوسيط الداعم للحلول الديبلوماسية، كما هو الحال في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو في جهود التقريب بين السعودية وإيران.
· تحقيق التوازن بين القوى الإقليمية كإيران والخليج وتركيا…إلخ، بما يحدّ من النفوذ الأمريكي.

واستناداً إلى ما سبق، تشمل المحاور الرئيسية في نهج الصين تجاه أمن الشرق الأوسط ما يلي: 

· الاستقرار القائم على التنمية: تؤمن بكين بأنّ النمو الاقتصادي هو أساس الأمن، وغالباً ما تربط خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) برؤى التنمية الإقليمية.
· مبادرة الأمن العالمي: يدعو إطار مبادرة الأمن العالمي الذي طرحه شي جين بينغ إلى نهج “أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام”، معارضاً “سياسة القوّة” و”التسلّط”.
· عدم التدخل والوساطة: تدعم الصين الجهات الفاعلة الإقليمية في بناء أطرها الأمنية الخاصة، ويشمل ذلك تشجيع الحلول السياسية للأزمات بدلاً من التدخّل العسكري، مثل دعم وقف إطلاق النار في غزة، وتعزيز العلاقات بين دول الإقليم، كما جرى بين السعودية وإيران.
· موازنة القوى: تسعى بكين إلى الحفاظ على توازن القوى، مستخدمةً شراكاتها مع إيران كوسيلة ردع للنفوذ الأمريكي، وفي الوقت نفسه تعزيز علاقاتها مع الدول العربية.
· الخطاب المناهض للإمبريالية: غالباً ما ينتقد المسؤولون الصينيون “المغامرات العسكرية” الأمريكية، ويصوّرون أنفسهم كشريك أكثر موثوقيّة يحترم السيادة الإقليمية. ففي مطلع سنة 2026، ركّز هذا الخطاب بشكل كبير على تعزيز شراكة أمنية مع الدول الإسلامية لتحقيق الاستقرار في المنطقة بعد صراعات طويلة، مع التركيز بشكل خاص على دعم القضية الفلسطينية، على الرغم من أنّ بعض المراقبين يصفون هذا الدعم بأنّه ديبلوماسي في معظمه وليس عملياً.

الخلاصة والتوصيات:
إنّ أيّ مقارنة بين المنظور الغربي للعلاقات الدولية بشكل عام، والعلاقات مع المنطقة العربية بشكل خاص، وبين المنظور الصيني في هذين البُعدين، تكشف عن استجابة المنظور الصيني، آنياً ومستقبلياً، للتطلّعات العربية أكثر بصورة أوضح من المنظور الغربي. فمفاهيم الأمن المرتبطة بالتنمية، والأقل إفراطاً في الطابع العسكري، وتعزيز المنظور غير الصفري في العلاقات الدولية، وتكريس البُعد المعياري الفعلي وغير الدعائي في إدارة العلاقات الدولية، ناهيك عن تبنّي مشروعات سياسية لا تقوم على التدخّل العسكري، وضرورة الاعتراف بالحقوق الفلسطينية كما ترد في قرارات الأمم المتحدة، تُمثّل مؤشّرات كافية لأخذها في الاعتبار عند وضع استراتيجيات التعامل مع هذا الفكر ودولته.

إنّ النماذج الفكرية التي عرضناها تُمثّل التيار الأوسع للمنظور الصيني للعلاقات الدولية، اي إنها تعكس توجهات السلطة الرسمية من ناحية، وتوجّهات الحزب الحاكم من ناحية ثانية، ناهيك عن قطاع واسع من توجّهات النخبة الفكرية والرأي العام الصيني تجاه المنطقة العربية. وتكشف ردود فعل النخبة الإسرائيلية على التوجّهات الصينية في المنطقة عن قدر من “القلق”، وهو ما يُفترض أن يُعزّز المنظور الصيني في العقل العربي.

لكنّ الملاحظ أنّ مراكز الأبحاث العربية، بل والجامعات العربية، لا تولي الفكر السياسي الصيني القدر المطلوب من الاهتمام؛ فأسماء أبرز المُنظِّرين الصينيين تبدو غائبة عن المنظومة المعرفية في نسبة كبيرة من الأدبيات السياسية العربية أو مراجع العلاقات الدولية في الدراسات العربية، وهو أمر لا بدّ من تداركه. فالمنظومة المعرفية الصينية، بشقيها الوضعي والميتافيزيقي، أقرب في مضمونها ومناهج تحليلها للمنظور العربي من نظيرتها الغربية، وهو ما ينبغي استثماره عربياً. غير أنّ شرط الاستثمار هو إدراك جوهر المنظومة المعرفية الصينية.

ولعل من الضروري إدراك أنّ الخلفية التاريخية للعلاقات بين العرب والصين تتّسم بالإيجابية بشكل عام، وبقدر لا يقارن بالصورة السلبية للمنظور الغربي في المنظومة المعرفية العربية والإسلامية. وهو ما ينبغي توظيفه في إدارة العلاقات مع هذه الدولة الصاعدة بقوة في المجال الدولي، خصوصاً أنّها قادرة على تقديم بديل مكافئ لأغلب ما يقدّمه الغرب من علوم في شتّى الميادين العسكرية والمدنية. ويتّضح ذلك في أنّ حجم التبادل التجاري بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة يساوي 35.5% فقط من حجم التبادل التجاري الصيني مع الشرق الأوسط، والذي قارب 400 مليار دولار سنة 2025.

إنّ تعلّم اللغة الصينية، والاطّلاع على الأدب والفن الصيني، والفكر السياسي والاخلاقي القديم والحديث لهذه الدولة، لا يدخل في نطاق الترفيه أو التثاقف فحسب، بل في نطاق فهم “الروح العامة” للمجتمع الصيني، لبناء ديبلوماسية ناضجة للتفاعل معه. وهو ما يستوجب إيجاد مؤسسات معنية بهذا الجانب، تتولى ترشيد السلوك السياسي العربي في التعامل مع هذه الدولة المركزية في النظام الدولي.
 

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.