ميدل ايست نيوز
لعبت باكستان دورا محوريا في توصُّل الولايات المتحدة وإيران -يوم الثلاثاء الماضي- إلى اتفاق على وقف مؤقت لإطلاق النار، بعد أن كان العالم بصدد العد التنازلي لمهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي هدد فيها باندثار حضارة كاملة.
ومثّل ذلك الإنجاز الدبلوماسي تحولا في المكانة الجيوسياسية لباكستان في الأمن العالمي، بعد أن كانت الولايات المتحدة تعتبرها -في بعض الأحيان- دولة ثانوية في المعادلات الإقليمية والدولية، وفق تعبير صحيفة ذا تايمز البريطانية.
وسلط مقالان في نيويورك تايمز وذا تايمز الضوء على ذلك الدور، وأكدا أن نجاح باكستان في التوسط بين طهران وواشنطن جاء نتيجة إستراتيجية ذات مسارين، أحدهما عماده علاقة مباشرة ومكثفة مع إدارة الرئيس ترمب، والثاني يقوم على استغلال مدروس للحدود المشتركة مع إيران والروابط الممتدة معها لعقود، إضافة إلى المصالح القومية.
ويمثل ذلك الاختراق بالنسبة لباكستان “إنجازاً استثنائياً”، وفقاً لما صرح به مايكل كوغلمان من “المجلس الأطلسي” (مركز بحثي أمريكي) لنيويورك تايمز. فقبل سنوات قليلة فقط، كانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن (2021-2025) تتجاهل إسلام آباد، بينما سخر منها ترمب سابقاً متهماً إياها بـ”الكذب والخداع” خلال حرب أفغانستان.
تحول جذري
وبدأ التحول الجذري في النظرة إلى باكستان فور إعادة انتخاب ترمب؛ حيث انخرط المسؤولون الباكستانيون -بقيادة قائد الجيش المشير عاصم منير– في ما أسماه كوغلمان “تكتيكات دبلوماسية غير تقليدية”.
وشملت تلك التكتيكات إبرام صفقات في مجالات العملات الرقمية والمعادن الحيوية، وحتى ترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام. وأصبحت العلاقة الشخصية بين ترمب وعاصم منير بمثابة المحرك الرئيسي لعملية السلام، لدرجة أن ترمب وصفه علانية بأنه “مشيره المفضل”.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن ترمب ومنير التقيا ثلاث مرات على الأقل خلال العام الماضي، بما في ذلك مأدبة غداء في البيت الأبيض في يونيو/حزيران الماضي، أشار بعدها ترمب إلى أن المسؤولين الباكستانيين “يعرفون إيران جيداً أكثر من معظم الناس”.
الجوار والمصالح
وحسب الصحيفة، فإن باكستان استغلت موقعها الفريد كجارة لإيران. وقالت أزيما شيما من شركة “فيرسو” للاستشارات -لصحيفة نيويورك تايمز- إن باكستان مثلث المصالح الإيرانية في واشنطن لعقود، تماماً كما فعل السويسريون لصالح أمريكا في طهران.
ومن جهتها، قالت ذا تايمز البريطانية إن باكستان لها مصلحة قومية خاصة في وقف الحرب على إيران، لأنها “تعتمد بشكل هائل على النفط والغاز والأسمدة التي تمر عبر مضيق هرمز”، مما جعل حل النزاع مسألة بقاء بالنسبة لها.
ولردم الفجوة بين طهران وواشنطن، قالت الصحيفة إن المشير منير قضى ليالٍ كاملة في مكالمات هاتفية ماراثونية مع جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي لصياغة إطار “اتفاق إسلام آباد”.
وأشارت مديرة برنامج جنوب آسيا في مركز ستيمسون (في واشنطن) إليزابيث ثريلكلد -في تصريح للصحيفة- إلى أن باكستان نجحت في تحويل “أعبائها إلى أوراق ضغط”، واضعة بصْمتها الخاصة على طريق الحل.
ورغم الاحتفاء الحالي بدور إسلام آباد، يحذّر بعض الخبراء من أن تاريخ باكستان كوسيط لأمريكا محفوف بالخيبات. وقارنت ذا تايمز بين الإنجاز الحالي وبين ما جرى عام 1971، عندما لعبت باكستان دورا مهما في انفتاح الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الصين، حيث كانت تأمل حينها الحصول على دعم أمريكي في صراعها مع الهند، وهو الثمن الذي لم تحصل عليه.
علاوة على ذلك، ترى الصحيفة أن علاقة إسلام آباد مع طهران تظل “معقدة”، حيث إن البلدين تبادلا إطلاق النار عبر الحدود في عام 2024، مما يجعل مستوى الثقة الحقيقي بين الجارين موضع تساؤل مفتوح، رغم شكر وزير الخارجية الإيراني لباكستان على “جهودها الدؤوبة”.
غموض في الأفق
ورغم ذلك، لا يزال وقف إطلاق النار يواجه عقبات كبيرة، ذلك أن إسرائيل اعترضت بالفعل على أجزاء من الاتفاق، مدعية أنه لا يشمل لبنان حيث تواصل حملتها العسكرية عليه.
وترى ذا تايمز أنه سواء أدى ذلك الاتفاق إلى “وقف نهائي للحرب” التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي -كما تأمل باكستان- أو ظل مجرد هدنة مؤقتة، فقد أثبتت إسلام آباد مكانتها الدولية، وبرهنت على أن العلاقات الشخصية و”التكتيكات غير التقليدية” من شأنها أن تساهم في دعم الأمن العالمي.