مقالات

كيف يفكر الخليج في ظل الحرب؟

post-img

ماجدة القاضي (360 مصر)

شكّلت الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران لحظة كاشفة، أعادت صياغة طريقة تفكير دول الخليج في الأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية، فقد كشفت حدود افتراضات استقرّت لعقود، ووضعت النموذج الخليجي إجمالًا أمام اختبار غير مسبوق.

للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد السؤال الخليجي محصورًا في: كيف نحقق النمو؟ بل تحوّل إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف نحمي هذا النمو ونضمن استقراره في بيئة إقليمية قابلة للاشتعال في أي لحظة؟

لم تغيّر الحرب، التي لم تنتهِ تداعياتها بعد، حسابات الردع فحسب، بل مست الأساس الذهني الذي قام عليه النموذج الخليجي خلال العقدين الماضيين: إمكانية فصل الاقتصاد عن الاضطراب السياسي وضغوط الجغرافيا.

اليوم لم تعد هذه الفرضية صالحة، كما كانت، وأصبح الأمن شرطًا سابقًا على النمو، لا نتيجة له، وعنصرًا حاسمًا في استمراره.

ونتيجة لذلك، تغيّر إدراك الخليج لذاته: من مركز استقرار نسبي في محيط مضطرب، إلى عقدة حساسة داخل شبكة صراعات مفتوحة، يصعب التنبؤ بمساراتها.

ولم يقتصر الأمر على الأمن، بل تغيّر أيضًا إدراكه لشبكة علاقاته: من تحالفات ثابتة إلى منظومة أكثر مرونة تقوم على توزيع المخاطر وتقليل الاعتماد على طرف واحد.

من هنا تنطلق هذه القراءة للإجابة عن سؤال محوري: ما الذي تغيّر فعليًا في تفكير الخليج نتيجة هذه الحرب؟ وإلى أين يتجه في إعادة تعريف أمنه، ونموذجه الاقتصادي، وخياراته الدبلوماسية، في عالم يتسم بقدر أكبر من الاضطراب؟

مظلة الحماية وإدارة التهديد

لم يعد الأمن في الخليج كما كان قبل هذه الحرب. بل تغير تعريفه ومن ثم أدواته، الفكرة التي حكمت التفكير الخليجي لعقود، أن الردع قائم والحماية مضمونة بحكم الحليف الاستراتيجي القوي، لكن التجربة كشفت حدودا أخرى لم تُختبر من قبل.

السؤال لم يعد هل يمكن استهداف الخليج؟ بل كيف يمكن استهدافه والضغط عليه بأدوات منخفضة الكلفة؟ هذا التحول رصدته رويترز بوضوح التي أظهرت في تقاريرها، استنزاف أنظمة الدفاع الخليجية المرتفعة الكلفة أمام اعتماد إيران على المسيرات كأدوات غير مكلفة نسبيا.

في هذه اللحظة اهتزت الركيزة الأساسية للنموذج الأمني الخليجي الذي يعتمد مظلة حماية خارجية، وهو ما ظهر في قراءة معهد دراسات دول الخليج بواشنطن، والذي أشار إلى أن الحرب دفعت للتفكير عن صيغة مختلفة للأمن، ولكن ليس بقطيعة مع الولايات المتحدة، بل من خلال صيغة أطلق عليها “الولايات المتحدة +1” أي توسيع شبكة الشركاء، بدلا من الرهان على الاعتماد الأحادي.

هذا يشير إلى ان الخليج بدأ في الاعتماد على نظام أمنى متعدد الطبقات من خلال تعاون عسكري مع تركيا وتنسيق مستمر مع باكستان، وانفتاح أكبر على الهند في أمن الممرات البحرية، وكلها مؤشرات على إدراك متزايد، بما تفرضه الجغرافيا من شراكات قادرة على التحرك.

على المستوى الأوسع، تدخل قوى كبرى مثل الصين على الخط، لا كضامن مباشر، بل كعامل توازن يقلل من احتمالات الانفجار، خاصة مع الوساطة التي رعتها بكين بين إيران والسعودية التي وضحت قيمة أن الردع لا يتم فقط عسكريا، بل أيضا عبر تشابك المصالح الاقتصادية الكبرى.

ثم تأتي الأطر التنظيمية مثل المشاركة الخليجية في تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة وإحياء التنسيق الدفاعي داخل مجلس التعاون، مما يعكس اتجاها نحو بناء أمن موزع، لا يعتمد على مركز واحد وترتيبات إقليمية جديدة، بما في ذلك ما أتاحته الاتفاقات الإبراهيمية من قنوات تنسيق غير مباشرة، يدخل ضمن هذا المنطق نفسه.

هذا لا يعني أن الخليج أصبح أقل ارتباطا بالولايات المتحدة، بل أنه أصبح أقل استعدادا للرهان على ارتباط واحد، فالأمن لم يعد معادلة ثابته من طرفين، بل عملية موازنة بين شركاء لكل منهم دوره وحدوده.

وهذا بحد ذاته يعد تحولا من: طلب الحماية إلى إدارة الاعتماد، هذا التحول امتد مباشرة إلى قلب النموذج الاقتصادي.

الاقتصاد تحت الضغط: اختبار النمو والثبات

اعتاد الاقتصاد الخليجي لسنوات العمل ضمن معادلة تعتمد على الاستقرار، بل وبنى على هذه الفكرة انفتاحا اقتصاديا، يعتمد على أن التوسع والنمو يمكن أن يتم بمعزل نسبى عن التوترات الجيو سياسية، لكن هذه الفكرة اختبرت لأول مرة وبحده في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تظهر أن التداعيات لا تقتصر على اضطراب في الأسواق وقفزه سعرية، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر.

تقارير رويترز تقول إن أي تهديد للملاحة البحرية، وخاصة هرمز لا ينعكس فقط على الصادرات النفطية، بل يمتد لسلسلة اقتصادية حرجة من تكاليف التأمين وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين، وهي عناصر العمود الفقري للنموذج الاقتصادي الخليجي.

يظهر التحدي والذي لم يعد قاصرا على إنتاج النفط أو تصديره بل في ضمان استمرارية حركته وسلاسل إمداده، الاضطراب هنا يعيد تعريف الاقتصاد من اقتصاد وفرة إلى اقتصاد نجاحه يقاس بقدرته على تجاوز الاختناق والعمل تحت ضغط؛ لأن التعطل أثبت نجاحا في خلق أثر مضاعف، يتجاوز القيمة المباشرة للخسارة.

بين النتائج، مراجعة الأولويات في الإنفاق. فالمشاريع الكبرى تحتاج تكلفة، لكن حمايتها وضمان استدامتها كمشاريع ومسارات تنوع بعيدا عن النفط، أصبحت مرتبطة بشكل مباشر، بمدى القدرة على تأمين بيئة مستقرة لها، هذا ما تظهره قراءة نشرتها مجلة فورن بولسي، والتي اعتبرت أن الحرب لم تضرب الاقتصاد الخليجي في نتائجه، بل في فرضياته الأساسية.

هنا نكتشف اننا امام سوق يعيد تعريف طبيعة المخاطرة التي لم تعد مخاطرة سوق ومنافسة، بل مخاطر البيئة نفسها.

 وهو ما يستدعي ضرورة إعادة تعريف عملية النمو الاقتصادي والعائد بالموازنة مع عنصر الأمن، والقدرة على التحمل، وهو ما يظهر بوضوح في: تعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مسارات التصدير، والاستثمار في البنية التحتية المقاومة للصدمات وتقليل الاعتماد على نقاط اختناق جغرافية واحدة، وهي نقطة بالغة الحساسية.

هذه التصورات عن آثار الحرب، تدفع السؤال هل يستطيع الاقتصاد الخليجي الحفاظ على جاذبيته العالمية وسط بيئة المخاطر، الإجابة لم تحسم بعد.

الدبلوماسية الخليجية وإعادة تشكيل العلاقات

التباين الذي ظهر خلال الحرب بين الدول العربية في سرعة ردة الفعل، لا يمكن وصفه بالخلاف، بقدر ما كان انعكاسا لاختلاف في منطلقات النظر للصراع.

 دول الخليج تحركت داخل معادلة تهديد مباشر، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد والأمن في نقطة واحدة، تجعل أي تصعيد له إثر كبير وفوري، وهو ما تظهره تقارير عدة حول سيناريوهات الخطر الكبرى التي تواجهها دول الخليج في ظل تهديد الممرات وأمام أدوات الضغط الإيرانية، والضربات العسكرية.

في المقابل، كانت تحركات الدول العربية ومصر من الزاوية الأوسع برؤيتها للصراع بصورة أكثر تعقيدا، يمتد لتداعيات بعيدة المدى على توازنات المنطقة ككل، وهو ما ظهر في تحليلات عدة، رأت أن وقف إطلاق النار والهدنة لا يمثلان نهاية للصراع، بل مجرد مرحلة ضمن مسار ممتد من حالة عدم الاستقرار المؤهلة للتوسع في المنطقة.

هذا الاختلاف في المنطلق لا ينتج تناقضا، بقدر ما يخلق تباينا في الأولويات.

وحين يكون التهديد قريبا ومباشرا يصبح الهدف هو احتواؤه بسرعة نحو خفض التصعيد، بينما ترى المنطلقات الأخرى ضرورة النظر للصراع في صورته الأكبر؛ لمنع تحوله لمسار مفتوح، يعيد تشكيل الإقليم، بشكل يصعب التحكم فيه.

بين المنطقين تتشكل مواقف قد تبدو متباعدة، لكنها تنطلق من إدراكين مختلفين للصورة.

تسود حالة من عدم اليقين، لكن انتهاء الحرب لن يعني نهاية الصراع، ولا ينذر بانفجار شامل وشيك، بل يرجّح ترسيخ حالة وسطية أكثر تعقيدًا: استقرار هش قائم على الردع، دون قدرة حقيقية على إنهاء التهديد، وهي الحالة التي يمكن وصفها بـ”الاستقرار المسلح”، حيث لا تختفي المخاطر، بل تُدار دون الانزلاق إلى الانفجار.

في هذا السياق، يصبح الردع متبادلًا، لكنه لا يقود إلى استقرار فعلي، فلا تملك إيران القدرة على فرض هيمنة كاملة، لكنها تحتفظ بأدوات إزعاج فعّالة عند الضرورة، وفي المقابل، يمتلك الخليج وحلفاؤه تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنه لا يكفي لمنع كافة أشكال التهديد منخفضة الكلفة.

النتيجة هي معادلة دقيقة كل طرف فيها قادر على الإضرار بالآخر، دون أن يمتلك القدرة أو الرغبة في الذهاب إلى مواجهة شاملة، في وضع يفرض إيقاعه توازنا، حيث لا سلام يسمح بالعودة لحالة الاستقرار، والنمو الاقتصادي السريع كما كان، ولا حرب تدفع لإعادة تشكيل جذري للواقع، بل حالة من الحذر الممتد.

 وكلما طال أمد الاستقرار المسلح، زادت احتمالات الخطأ في الحسابات الكافي للاشتعال من جديد.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.