مقالات

يوم الأسير الفلسطيني في زمن الإبادة

post-img

عبد الناصر فروانة (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

قبل نحو 52 عاماً، أقر المجلس الوطني الفلسطيني-باعتباره السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية- يوم 17 نيسان/أبريل من كل عام، يوماً للأسير الفلسطيني، من دون أن يكون لاختيار هذا اليوم علاقة بأي حدث تاريخي أو مناسبة، كما يعتقد الكثيرون؛ إنما أقره المجلس الوطني الفلسطيني خلال دورته العادية في سنة 1974، يوماً لتكريم شهداء الحركة الوطنية الأسيرة، ووفاءً لنضالات وتضحيات كل من مرَّ بتجربة الاعتقال وذاق مرارة السجن وقسوة السجان الإسرائيلي. هو يوم لنصرة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وكسر العزلة عنهم، وتسليط الضوء على أوضاع احتجازهم، وفضح ما يتعرضون له من انتهاكات جسيمة وجرائم متنوعة؛ وذلك لشحذ الهمم بهدف الدفاع عن حقوقهم بعد اعتقالهم، وتحسين أوضاعهم الحياتية وحمايتهم من خطر الموت أو الإصابة بالأمراض، ودعم خطواتهم النضالية للعيش بكرامة داخل سجنهم، وصولاً إلى كسر قيدهم وتحقيق حلمهم بالحرية. وهنا: "أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها، الحريةُ هي نفسُها المقابل"؛ كما يصفها الشهيد الأديب غسان كنفاني.

ليس هذا فحسب، بل أيضاً ليكون كذلك يوماً، وكل يوم، لحشد التأييد والدعم المحلي والإقليمي والدولي ورفع الوعي بقضيتهم العادلة، سياسياً وقانونياً وإنسانياً وأخلاقياً، بما يعزز من مكانتهم القانونية وهويتهم النضالية ومشروعية كفاحهم التحرري، باعتبارهم مناضلين من أجل الحرية، وجزءاً أصيلاً من نضال حركة التحرير الوطني الفلسطيني، في إطار كفاح طويل يخوضه الشعب الفلسطيني من أجل إنهاء الاحتلال وانتزاع حريته وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

بإيجاز، هذه هي المعاني والدلالات ليوم الأسير الفلسطيني، هكذا كانت، وهي اليوم كذلك، لم تتغير على الرغم من المتغيرات التي عصفت بالمنطقة. وبذا، فقد بقي يوم الأسير الفلسطيني راسخاً في الوعي الجمعي الفلسطيني، وظل 17 نيسان/أبريل مناسبة خالدة، وذكرى ثابتة على الأجندة الفلسطينية منذ إقراره، وفي كل الأزمنة، وصولاً إلى زمن الإبادة.

من هنا، اعتاد الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات إحياء ذكرى هذا اليوم في كل عام، بوسائل متنوعة وأشكال متعددة، وفي أماكن واسعة ومشاركة فئات متنوعة. لقد كان يوماً وطنياً فلسطينياً، ومن ثم صار يوماً عربياً، وتعزّز حضوره بعد أن أقرته القمة العربية في أثناء انعقادها في دمشق، في آذار/مارس 2008، ثم أضحى يوماً عالمياً، وصرنا نرى الكثيرين من الأشقاء والأصدقاء والأحرار في العالم يشاركون الفلسطينيين في إحياء ذكرى هذا اليوم سنوياً، في فلسطين وخارجها، وبين أروقة جامعة الدول العربية وداخل قاعاتها، وأمام مقار المؤسسات الحقوقية الدولية، وفي عواصم ومدن عربية وإسلامية وأوروبية وعالمية متنوعة؛ وهو ما عزز من حضور قضية الأسرى والمعتقلين لدى الأشقاء العرب وعلى الساحتين الإقليمية والدولية. 

يوم الأسير الفلسطيني.. معطيات صادمة وحقائق ثابتة

منذ سنة 1967، يُقدَّر عدد حالات الاعتقال بأكثر من مليون حالة، منهم قرابة 20,000 حالة اعتقال في صفوف النساء الفلسطينيات، بينهن أمهات وزوجات وحوامل ونساء طاعنات في السن، وفتيات قاصرات، وطالبات وكفاءات أكاديمية، وقيادات مجتمعية، ونواب منتخَبات في المجلس التشريعي. ومنهم أيضاً نحو 60,000 طفل فلسطيني، في أعمار متفاوتة، بعضهم كانت أعمارهم تقل عن عشر سنوات، وكثير منهم اعتُقل لأكثر من مرة، وبين الأطفال مَن اعتُقل إدارياً، أو أمضى سنوات طويلة في السجن الإسرائيلي وودّع طفولته مُكبلاً. هذا بالإضافة إلى آلاف آخرين من الأطفال، ولا سيما الأطفال المقدسيين، الذين أُخضعوا قسراً إلى ما يُعرف بـ"الحبس المنزلي"، فجعل من البيوت سجوناً وحوّل الأهالي إلى سجّانين على أبنائهم.[1] 

منذ سنة 1967، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 75,000 أمر اعتقال إداري، من دون تهمة أو محاكمة، منها ما كان قراراً جديداً و منها ما تم تجديده، حتى استحال الاعتقال إجراءً ثابتاً وعقاباً جماعياً. وتؤكد الوقائع والشهادات كافة أن مراكز الاحتجاز والاعتقال شهدت أوضاعاً غير إنسانية؛ إذ تعرّض كل مَن مرّ بتجربة الاعتقال، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب الجسدي أو النفسي، والإيذاء المعنوي. علاوة على ذلك، فقد تعرّض الكثيرون منهم إلى انتهاكات جسيمة يرتقي بعضها إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقاً للقانون الدولي.

وعلى الرغم من تأثير الاعتقال في الفرد والأسرة والمجتمع الفلسطيني، فإن كثيرون هم الذين يعددون عدد مرات سجنهم، وفترات اعتقالهم، والسجون التي دخلوها، ويفاخرون بصمودهم في التحقيق، وثباتهم في الأسر، ويعتزون بنضالاتهم وتضحياتهم، ويسعدون وهم يستعيدوا ذكرياتهم وراء القضبان؛ ذلك أنهم لا يعتبرون الاعتقال والأسر مهانة ومذلة، طالما أنه على يديْ الاحتلال وبسبب مقاومتهم لوجوده، ودفاعاً عن أرضهم، ومن أجل حرية شعبهم ووطنهم. ولا شك أن هذا النوع من التفكير يزعج الاحتلال. 

بدايات الحكاية...

لقد نال الأسير الفلسطيني، محمود بكر حجازي، شرف القيد الأول، فيُعد الأسير الأول في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وهو مَن اعتُقل في تاريخ 18 كانون الثاني/يناير سنة 1965، وقامت حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" بتحريره في تاريخ 28 كانون الثاني/يناير سنة 1971 في إطار صفقة "أسير مقابل أسير"؛ تُعتبر واحدة من سجل عريق يضم العديد من صفقات تبادل الأسرى على مدار تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة التي بدأتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 23 تموز/يوليو 1968. وقد توفي حجازي في مدينة رام الله في تاريخ 22 آذار/مارس سنة 2021.[2] 

كما ويحفظ التاريخ الفلسطيني أن الأسيرة الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة هي الأخت فاطمة برناوي، ابنة مدينة القدس، والتي اعتُقلت في تاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر 1967، وأمضت عشرة أعوام في سجون الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تتحرر في سنة 1977، ويتوفاها الله في العاصمة المصرية في تاريخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2022. 

تعود نشأة قضية الأسرى إلى ما قبل سنة 1967

لا يعني حين نرصد الاعتقالات أو الشهداء، ونتناول بعضاً من ملفات الحركة الوطنية الأسيرة منذ سنة 1967، أن قضية الأسرى نشأت في إثر "النكسة"، وأن الاعتقالات بدأت من هنا. فنحن نُدرك أننا نُخطئ القول والوصف تاريخياً وسياسياً، إن اعتبرنا الأمر كذلك في سياق سردنا للتاريخ، لكننا نتناول مرحلة تتوفر بعض التفاصيل بخصوصها أكثر من مراحل سبقتها بفعل ما وثقّه المختصون ومؤسسات الأسرى. ولا يزال ذلك اليوم الذي تُوثق فيه المراحل كافة بكل تفاصيلها، وخصوصاً التي سبقت سنة 1967 ينتظر القدوم.

يعود تاريخ نشأة قضية الأسرى والمعتقلين إلى ما قبل "النكسة" سنة 1967، وما يسبق نكبة 1948 بكثير. وتمتد جذورها إلى ما قبل وعد "بلفور" المشؤوم، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، ومنذ أن عرف الفلسطيني سجون الاستعمار ووقع فيها أسيراً. هكذا، يحفظ التاريخ الفلسطيني بدايات نشأتها. ومن هنا، يجب أن تؤرَّخ الاعتقالات في الموسوعة الفلسطينية، وأن تُسرد الرواية الفلسطينية، حتى تبقى جذور قضية الأسرى راسخة في الوعي الجمعي، الفلسطيني والعربي، للأجيال المتعاقبة والشعوب الحرة.[3] 

ثلاثون شهراً من حرب الإبادة

رُصد اعتقال نحو 37,000 فلسطيني منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، قبل ثلاثين شهراً، وهي أرقام صادمة بمعدل غير مسبوق منذ انتفاضة الحجارة التي شهدته اعتقالات واسعة وجماعية قبل ما يزيد عن ثلاثة عقود ونيف. تمكنَّت مُؤسسات الأسرى من رصد وإحصاء 22,000 حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس، بينما تبقى حالات الاعتقال في قطاع غزة رهن التقديرات التي تُشير بأنها لا تقل عن 15,000 حالة، ولربما أكثر في ظل تصاعد احتجاز المواطنين الغزيين واعتقالهم في أثناء الاقتحامات البرية الواسعة، وارتفاع وتيرة الإخفاء القسري الذي طال الآلاف من المواطنين، منذ بدء الحرب في تاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر2023، من دون الكشف عنهم ومعرفة مصيرهم، إن كانوا أحياءً في السجون الإسرائيلية أم في عداد الشهداء غير المعلوم أماكن دفنهم، في جوف الأرض أم تحت الأنقاض، أو ضمن الشهداء المحتجزة جثامينهم لدى الاحتلال في سجون الموتى.[4] 

هذا ومنذ بدء حرب الإبادة، لم تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي لممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة السجون ومراكز الاعتقال والوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين، ومعرفة مصيرهم أو حتى تزويدها بقوائم رسمية لأسماء معتقلي غزة وبياناتهم ومكان احتجاز كل منهم، وهو ما ترك مئات العائلات الفلسطينية من دون أي معلومات عن مصير أحبائها.[5]  

الوجه الآخر لحرب الإبادة..

تأتي الذكرى الثانية والخمسون ليوم الأسير الفلسطيني هذا العام، بعد ثلاثين شهراً من حرب الإبادة الإسرائيلية غير المسبوقة، التي استهدفت كل مكونات الشعب الفلسطيني، وخصوصاً الأسرى؛ إذ إنهم مكون أصيل ورئيسي فيها، وقد نالهم من هذه الحرب نصيب وافر من الانتهاكات الجسيمة والجرائم المتنوعة، التي فاقت الحدود والتصور، وبات من الصعب راهناً حصرها أو الإحاطة بجميعها، بسبب كثافتها واتساع نطاقها وتنوع أصنافها، بدءاً من الإخفاء القسري، والإعدام الميداني أو القتل بعد احتجاز أو اعتقال، واستخدام المعتقَلين دروعاً بشرية، ولا سيما معتقلي قطاع غزة، والتعامل معهم وفقاً لقانون "مقاتلين غير شرعيين"؛ وهو ما يعني فقدان هذه الفئة لأبسط الحقوق الأساسية، مروراً بالتعذيب الشديد القسوة والمميت، والتحقيق العسكري الميداني العنيف، وأحوال الاحتجاز المهينة والمذلة، والتجويع والتعطيش والحرمان من النوم والعلاج، ومن أدنى شروط الحياة الاعتقالية، بالإضافة إلى العزل التام عن العالم الخارجي، وانقطاع زيارات الأهل، وصعوبة وصول المحامين إليهم، وانتهاءً بالتفتيش العاري والعنف الجنسي بما فيه الاغتصاب.

إن تلك الانتهاكات وغيرها من الجرائم المتنوعة، ليست محصورة بين أسوار سجن سديه تيمان، الذي شكّل العنوان الأبرز لجرائم التعذيب والعنف الجنسي، كما يعتقد البعض، إنما تحدث أمور مشابهة لتلك في السجون الأُخرى، وممارستها غير مقتصرة على معتقَلي غزة فحسب، أو ممن اعتُقلوا خلال حرب الإبادة فقط، بل هي أيضاً ضد الأسرى والمعتقَلين كافة، وإن كان النصيب الأكبر منها لمعتقَلي غزة الذين يشكّلون عنوان المرحلة.

لقد صعدّت دولة الاحتلال الإسرائيلي، من إجراءاتها وجرائمها المتعددة، بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، منذ بدء حرب الإبادة بطريقة غير مسبوقة، كامتداد لحرب الإبادة؛ إذ تتقاطع السياسة الإسرائيلية الرسمية والتصريحات العنصرية المتطرفة، مع السلوك الفعلي لكل العاملين في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، من محققين وسجانين وحراس وجنود، بالإضافة إلى الأطباء والممرضين، وبدعم شعبي إسرائيلي واسع، وذلك في ظل غياب أي كوابح أخلاقية أو قانونية أو دولية.

وفي صدد ذلك، تحولت السجون الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات للتعذيب، كما يُصنفها المركز الحقوقي الإسرائيلي (بيتسيلم)، ويصفها بأنها "جهنم على الأرض".

من هنا، أصبحت جرائم التحرش والعنف الجنسي بما فيه الاغتصاب، حدثاً شائعاً بغطاء رسمي ودعم شعبي، وواقعاً دائماً من الروتين اليومي داخل سجون ومعسكرات الاعتقال الإسرائيلية؛ إذ نكاد نقرأه أو نسمعه في كل شهادة أسير/ة واقعة.[6] 

لذا، شكّلت مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر2023، اختلافاً تاماً عن سواها، ولا مثيل لها فيما سبقها؛ إذ لا تُشبه أبداً ما فاتها من مراحل وما تلاها من أحداث مشابهة؛ فهي الأكثر فظاعة وبشاعة، والأشدّ ألماً وقسوة، وهي أخطر المراحل دموية في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة. إذ إن لسان حال مَن اعتُقل خلال الحرب يقول: "مَن لم يُعتقل بعد 7 أكتوبر، فكأنه لم يُعتقل أبداً".

إن ما كُشف عنه، وما تتناقله ألسن المفرَج عنهم من أحداث مفزعة، وما ينقله المحامون من شهادات مروعة، كلها أمور تُعتبر غير مسبوقة أو معهودة بهذا القدر من الفظاعة والوحشية. بينما شكّلت صور المفرَج عنهم، والدموع تنهمر من عيونهم، والآثار الجسدية والنفسية التي خلّفتها عليهم وظهرت على وجوههم وتصرفاتهم وأجسادهم الهزيلة، أدلة حيّة على فظاعة التعذيب وقسوته. ومَن يستمع إليهم، أو يقرأ روايات وشهادات العائدين من الجحيم، ولا سيما معتقلي غزة، يُصاب بالصدمة والذهول! 

شهداء الحركة الوطنية الأسيرة منذ سنة 1967

ارتفعت قائمة شهداء الحركة الوطنية الأسيرة بطريقة لافتة وغير مسبوقة خلال حرب الإبادة لتصل إلى 326 شهيداً، وهم مَن استُشهدوا بعد اعتقالهم داخل سجنهم، منذ سنة 1967، بفعل القتل العمد، وجرّاء التعذيب والإهمال الطبي، أو التجويع وسوء المعاملة؛ بينهم 89 شهيداً خلال حرب الإبادة، منهم 12 معتقلاً إدارياً، و52 من قطاع غزة.[7] 

ويُشكل عدد الشهداء خلال 30 شهراً من الإبادة ما نسبته 27.3% من مجموع شهداء الحركة الأسيرة منذ سنة 1967. كما تكشف أعداد كبيرة ونسبة غير مسبوقة فظاعة التعذيب وحجم الجرائم غير المعهودة، التي تُقترف بحق الأسرى والمعتقلين في زمن الإبادة، لدرجة أنه لم يعد الإعلان عن وفاة أحد المعتقلين مفاجئاً.

وتجدر الإشارة إلى أن العدد ليس نهائياً، هؤلاء هم فقط الذين كُشف عنهم رسمياً وعُرفت أسماؤهم، وتمكنت المؤسسات من توثيق بياناتهم، بينما تُشير التقديرات إلى استشهاد آخرين كُثر لم تُعرف أسماؤهم ولم يُكشف عن أوضاع استشهادهم بعد، في إثر الإخفاء القسري الذي طال الأحياء والشهداء في زمن الإبادة.

ويُعتقد كذلك أن بين جثامين الشهداء التي أعيدت إلى قطاع غزة جثامين تعود إلى أسرى فلسطينيين قُتلوا بعد احتجاز أو اعتقال؛ إذ كانوا مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، وظهر عليهم آثار تعذيب شديد وحروق بشعة وتنكيل، وأُخرى تشير المعاينة إلى أن أصحابها تعرضوا للإعدام الميداني.[8] 

معلومة للتاريخ..

بناءً على ما هو موثق ومُعلن من جانب مؤسسات الأسرى، فإن يوسف الجبالي، الذي استُشهد، في 4 كانون الثاني/يناير سنة 1968، في سجن نابلس، يتقدم قائمة مَن استُشهدوا داخل السجون الإسرائيلية. أمّا عبد القادر أبو الفحم، من غزة، فيُعتبر أول شهداء الإضراب عن الطعام، واستُشهد في سجن عسقلان، في تاريخ 11 تموز/يوليو سنة 1970 خلال مشاركته في الإضراب، بينما كان قاسم أبو عكر من القدس أول شهداء أسرى القدس، وكان قد استُشهد جرّاء التعذيب في سجن المسكوبية، في 23 آذار/مارس 1969.

وخلال انتفاضتيْ الحجارة والأقصى، استُشهد العشرات من الأسرى والمعتقلين، فكان خضر الترزي من غزة أول مَن سقط شهيداً بعد الاعتقال خلال انتفاضة الحجارة، جرّاء التعذيب، وذلك في تاريخ 9 شباط/فبراير 1988 في معتقل أنصار 2 غربي مدينة غزة، وأن محمد الدهامين، من الخليل، الذي استُشهد في سجن مجدو، في تاريخ 12 نيسان/أبريل2001، هو أول الشهداء داخل السجون الإسرائيلية، خلال انتفاضة الأقصى.

أمّا آخر المسجلين على القائمة، فقد كان مروان حرزالله من مدينة نابلس، والذي استُشهد في سجن مجدو، في 28 آذار/مارس 2026، وهو يُعد آخر مَن أُعلن عن استشهادهم في السجون الإسرائيلية وعُرفت أسماؤهم خلال حرب الإبادة.[9]   

موت مؤجل إلى ما بعد التحرر..

وإلى جانب هؤلاء الشهداء، لابد من إضافة مئات آخرين التحقوا بهم بعد خروجهم من السجن بفترات وجيزة، متأثرين بأمراض ورثوها من السجون الإسرائيلية؛ كان آخرهم الأسير المحرر، رياض العمور، من بلدة تقوع/بيت لحم، الذي تحرر ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد أن أمضى 23 عاماً في سجون الاحتلال، وأُبعد بموجب الاتفاق إلى جمهورية مصر العربية واستُشهد هناك في تاريخ 3 نيسان/أبريل 2026.[10] 

قانون "إعدام الأسرى"..

تحل ذكرى "يوم الأسير الفلسطيني" هذا العام بعد أيام من مصادقة الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، في تاريخ 30 آذار/مارس المنصرم، على قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام، بحق الأسرى الفلسطينيين الذين أُدينوا بتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، أدت إلى مقتل إسرائيلي، بدوافع تصفها إسرائيل بأنها قومية أو عنصرية.

وعلى الرغم من أن دولة الاحتلال ليست في حاجة إلى قانون، فهي تمارس إعدام الأسرى الفلسطينيين كسلوك ومنهج قبل أن يكون قانوناً نافذاً، فإنها أرادت ترسيخ الجريمة وشرعنة القتل، وتوسيع جرائم الإعدام بصورة رسمية ومنظَّمة تحت مظلة القانون، وردع الأسير وما يمثله وعن طريقه ردع المجتمع بأكمله.

ويأتي القانون، الذي يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، امتداداً لسلسة من التشريعات العنصرية، التي سبق وأقرها الكنيست الإسرائيلي بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. كما يُعتبر نسخة محدثة من مشاريع مشابهة، سبق ونوقشت في الكنيست، لكنه الأخطر والأشد تطرفاً عن غيره. فعلاوةً على أنه يُكرس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، فقد حظي هذه المرة بدعم إسرائيلي أكثر من سابقيه، فنال المصادقة.

كما يأتي القانون في سياق مسار طويل من محاولات نزع الشرعية عن الحركة الوطنية الأسيرة في إطار السعي الحثيث طوال السنوات الطويلة، من أجل ترسيخ الرواية الإسرائيلية، على أنهم "إرهابيون" و"قتلة"، ولا يستحقون الحياة. لذا، فإن القانون يشكل مساساً خطِراً بمكانتهم القانونية وإساءة صارخة لهويتهم الوطنية والنضالية وكفاحهم التحرري.

ولأن الأسرى هم مكون رئيسي من مكونات القضية الفلسطينية، ويشكلون جزءاً أساسياً من نضال حركة التحرير الوطني الفلسطيني، فإن قانون إعدام الأسرى لا يستهدفهم فحسب، ولا يُجرم فعلهم المُقاوم أو نضال فئة منهم فقط، بل أيضاً يهدف إلى تَجريم كفاح الشعب الفلسطيني الطويل. 

الأسرى في أرقام...

بناءً على معطيات إحصائية صدرت عن مؤسسات الأسرى، من دون أن تشمل المحتجزين في معسكرات جيش الاحتلال، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى مطلع نيسان/أبريل 2026، أكثر من 9600 أسير ومعتقل، بينهم 84 أسيرة، ونحو 350 طفلاً. بينما يبلغ عدد المعتقلين الإداريين 3532 معتقلاً إدارياً، وهو الأعلى تاريخياً، يُحتجزون من دون تهمة أو محاكمة. أمّا مَن صنّفهم الاحتلال وفقاً لقانون "مقاتلون غير شرعيين"، فقد بلغ عددهم 1251 معتقلاً، علماً بأن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنّفين ضمن هذه الفئة.

وللتوضيح، فإنه وبموجب القانون الإسرائيلي المذكور، تقع  هذه الفئة من الأسرى والمعتقَلين الفلسطينيين خارج نطاق اتفاقيتَي جنيف الصادرتين في 12 آب/أغسطس 1949، وبالتالي تفقد حقوقها الأساسية ولا تتمتع بأي نوع من الحماية بموجب القانون الدولي.

وللوهلة الأولى، يظن القارئ وكأن دولة الاحتلال الإسرائيلي تعتبر الآخرين مقاتلين شرعيين، والحقيقة أنها ما زالت ترى الأسرى جميعهم والمعتقَلين الفلسطينيين مقاتلين غير شرعيين، ولم تعترف يوماً بأي فئة منهم على أنهم أسرى حرب، ولم تُعامل أياً منهم وفقاً لاتفاقية جنيف الثالثة، إنما تعاملت معهم دوماً على أنهم سجناء أمنيون، وتعتبر مقاومتهم "جريمة"، وتصفهم جهاراً بـ "القتلة" و"الإرهابيين". كما ولم تعترف أيضاً بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، وهي بذلك حرمت المعتقَلين المدنيين، على اختلاف فئاتهم، من الحقوق المكفولة لهم في اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. 

أسرى المؤبدات وأسرى ما قبل أوسلو

 يوجد بين الأسرى 193 أسيراً مضى على اعتقالهم 20 عاماً فأكثر بشكل متواصل، بينهم 8 أسرى معتقلين منذ قبل أوسلو، أقدمهم الأسير إبراهيم بيادسة، من المناطق المحتلة سنة 1948، والمعتقل في تاريخ 26 آذار/مارس 1986. وهناك بين المجموع 118 أسيراً يمضون أحكاماً بالسجن المؤبد مدى الحياة، لمرة واحدة أو لعدة مرات. وهنا، المؤبد مفتوح، وغير محدد بسنوات كما هو متعارف عليه في دول العالم. ويُعتبر الأسير عبد الله البرغوثي الأعلى حكماً؛ إذ صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد 67 مرة.

هذا هو الإحصاء العام، وعلى الرغم من أهميته، فإن ما ينبغي إدراكه هو أن هذه الأرقام متغيرة بفعل الاعتقالات اليومية. وما ينبغي فهمه، هو أن وراء هذه الأرقام تكمن مدلولات مهمة، والكثير من القصص والحكايات. 

إلامَ يحتاج الأسرى في يومهم؟  

يحتاج الأسرى إلى الكثير من القول والفعل، ومضاعفة الجهود المبذولة بما يتناسب مع خطورة المرحلة، ولعل أهم ما يحتاجون إليه اليوم وفي كل يوم، هو التجسيد الفعلي لدلالات يوم الأسير الفلسطيني ومعانيه كافة، بناءً على ما تم ذكره في المقدمة. وبالإضافة إلى ذلك:

-التحرك العاجل لإلغاء قانون "إعدام الأسرى"، لما يُشكله من خطر داهم على حياتهم وحقوقهم الأساسية وقضيتهم العادلة، فضلاً عن كونه قانوناً جائراً وعنصرياً، ويمثل انتهاكاً جسيماً لمعايير حقوق الإنسان، وخرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني.

-الضغط على المجتمع الدولي والمؤسسات المتنوعة، لتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية، ودفع حكومة الاحتلال للكشف عن مصير الأسرى والمعتقلين كافة وأعدادهم وأماكن احتجازهم، ولا سيما معتقلي غزة. فهناك خشية حقيقية على حياتهم، في ظل التحريض الإسرائيلي غير المسبوق ضدهم، والتصعيد الخطِر بحقهم، وتزايد أعداد الشهداء بين صفوفهم، وارتفاع وتيرة التصريحات الإسرائيلية الرسمية التي تدعو إلى إعدامهم، والتخلص منهم بقانون أو من دونه.

-إيلاء التوثيق لمزيد من الاهتمام الرسمي والمؤسساتي، وتكثيف الجهد لتوثيق الوقائع والأحداث بالصوت والصورة، وحث العائدين من الجحيم، ذكوراً وإناثاً، وتحفيزهم على الإدلاء بشهاداتهم، بالإضافة إلى توثيق حالة جثامين الشهداء المُعادة إلى قطاع غزة قبل دفنها، كي لا تُدفن معها الأدلة.

ختاماً، إن أي جهد لا يهدف إلى العمل على تحرير الأسرى هو جهد ناقص. فبالموازاة بين العمل لتحقيق كل ما سبق ذكره، يتوجب السعي لتحريرهم، فتحرير الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من سجون الاحتلال الإسرائيلي ليس واجباً وطنياً ودينياً وسياسياً فقط، أو إنسانياً وأخلاقياً وقانونياً فحسب، بل هو أيضاً ضرورة حيوية وجوهرية، وفاءً لهم وتقديراً لنضالاتهم وتضحياتهم، وإيماناً بقضاياهم العادلة.

[1] عبد الناصر فراونة، "ارتفاع ملحوظ بقرارات الحبس المنزلي: إسرائيل جعلت من البيوت سجوناً ومن الأهالي سجانين على أطفالهم"، مدونة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 29/06/2022.

[2] عبد الناصر فراونة، "صفقات تبادل الأسرى على مر السنين"، مدونة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 17/4/2020.

[3] عبد الناصر فراونة، "قضية الأسرى تعود إلى ما قبل النكبة"، مدونة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 24/5/2023.

[4] عبدالناصر فراونة، "جرائم الإخفاء القسري: أبرز أوجه حرب الإبادة على قطاع غزة"، مدونة الدراسات الفلسطينية"، 6/11/2024.

[5]"الصليب الأحمر: ممنوعون من زيارة المعتقلين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023"، "الجزيرة"، 12/1/2026.         

[6]عبد الناصر فراونة، "الاعتداء الجنسي على الأسرى الفلسطينيين امتداد لحرب الإبادة"، مدونة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 27/02/2026.

[7] "استشهاد المعتقل مروان حرز الله من نابلس في سجون الاحتلال"، وكالة وفا،28/3/2026.

[8] رائد موسى، "مختصّ جنائي للجزيرة نت: الجثامين التي سلَّمها الاحتلال مُشوَّهة وعُذِّبت حتى الموت"، "الجزيرة"، 21/10/2025. 

[9] "استشهاد المعتقل مروان..."، مصدر سبق ذكره.

[10]"استشهاد المناضل والأسير المحرَّر والمُبعَد إلى مصر رياض العمور"، هيئة شؤون الأسرى والمحررين، 3/4/2026.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.