مقالات

الإمبريالية العارية وضرب إيران: كيف تحولت أمريكا من “قائد نظام” إلى “صانع فوضى”؟

post-img

هشام جعفر (مصر 360)

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل قنابلها وصواريخها نحو إيران، كانت الضربة الفصل الأكثر دموية في رواية طويلة، تُعيد كتابة منطق القوة الإمبراطورية في عالم يتصدّع، هذه الحرب ليست حدثاً عسكرياً مجرّداً، إنها مرآة تعكس التحولات العميقة في الرأسمالية العالمية، وفي طبيعة الإمبريالية الأمريكية التي تمرّ بلحظة تاريخية فارقة: لحظة خلع القناع.

من الهيمنة الليبرالية إلى الإمبريالية العارية

لفهم ما يجري اليوم، لا بد من استحضار بعض جوانب التاريخ. الإمبريالية الأمريكية التي هيمنت على النصف الثاني من القرن العشرين، لم تكن مجرد آلة حربية، بل كانت مشروعاً متكاملاً، يُحكم قبضته على العالم بيد من حرير، أدرك الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي قبل عقود، أن السلطة الحقيقية لا تقوم على الإكراه وحده، بل تحتاج إلى ‘هيمنة’: القدرة على إقناع الآخرين بأن مصالحهم تسكن في مصالحك، وأن قيادتك ليست إملاءً بل ضرورة.

وهذا بالضبط ما أتقنته واشنطن بعد الحرب الثانية؛ حين بنت منظومة مؤسسية سابغة- صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وحلف الناتو، والأمم المتحدة، بما جعل هيمنتها تبدو كنظام عالمي مشروع لا كإملاء بمصالح ضيقة، وحين كانت تتدخل عسكرياً في كوريا أو فيتنام أو العراق، كانت تفعل ذلك تحت لافتات الشرعية الدولية والدفاع عن الحرية، حتى في غزو العراق عام 2003، خصّصت إدارة بوش الابن شهوراً لبناء ‘ملف استخباراتي’ وحشد ‘تحالف الراغبين’، كان الكذب محترفا ومنظّماً: يحتاج إلى جهد، ويحتاج إلى غطاء وادعاءات تسندها التقارير والمعلومات..

في 2026، الصورة مختلفة جذرياً. إدارة ترامب لم تُكلّف نفسها هذا العناء، مبررات الحرب جاءت متضاربة ومتناقضة: درء التهديد النووي، وتأمين حرية الملاحة، وتحقيق تغيير النظام، و’الاستيلاء على النفط’- كل ذلك في آنٍ واحد. لا توافق دولي، لا تحالف متماسك، لا غطاء أخلاقي مقنع، هذا ما أطلق عليه الباحث والخبير الاستراتيجي ستيفن ويرثيم (Stephen Wertheim) بـ’الإمبريالية العارية’: قوة لا تحتاج بعد الآن إلى ثياب، لأنها لم تعد تؤمن بجدوى ارتدائها.

الفارق بين 2003 و2026، ليس فارقاً في الأسلوب، بل في الجوهر، الإمبريالية التقليدية كانت تمزج بين القوة العسكرية والإقناع الأيديولوجي والشرعية المؤسسية. إمبريالية ترامب تمحو ركيزتَي الإقناع والشرعية، وتُبقي على القوة الغاشمة وحدها، إنها تنتقل من ‘الهيمنة عبر الموافقة’- وفق صياغة جرامشي- إلى ‘الهيمنة عبر الصدمة والترهيب’.
ما كان يجري بغطاء خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية، بات يُعلَن على الملأ دون خجل: نريد النفط، نضم جرينلاند، نسيطر على قناة بنما.

هذا ‘العُري الأيديولوجي’ يحمل تداعيات مزدوجة: يكشف جوهر الإمبريالية الشرسة، لكنه في الوقت ذاته يُسرّع تآكل الشرعية، ويُفضي إلى عزلة دولية، تُضعف القدرة على إدارة النظام العالمي.

الإمبراطورية التي لا تحتاج إلى موافقة أحد، تجد نفسها في نهاية المطاف، وحيدة في الميدان.

الرأسمالية في أزمتها

لا تنشأ الحروب الإمبريالية في فراغ. إنها دائماً وليدة توترات اقتصادية بنيوية، تجعل الخيار العسكري ممكناً ومُغرياً لأصحاب القرار، الاقتصاد الأمريكي دخل الربع الأول من 2026 تحت وطأة ثلاث أزمات متزامنة: ديون سيادية تجاوزت الثلاثة والثلاثين تريليون دولار، وتضخم مزمن أنهك القوة الشرائية للطبقة الوسطى، ومنافسة صينية صاعدة تُهدد الموقع الأمريكي في قمة النظام الاقتصادي العالمي.

الجغرافي الاقتصادي ديفيد هارفي وصف هذه الحالة بـ’أزمة فائض التراكم’: حين يتراكم رأس المال بمعدلات، تتجاوز فرص استثماره المربح، وبذلك تنشأ ضغوط هيكلية نحو إيجاد منافذ خارجية.

الرأسمالية في أوج قوتها تحل هذه الأزمة بالتوسع الاقتصادي والاستثمار المنتج، لكنها حين تدخل مرحلة الأزمة الحقيقية، تلجأ إلى ما سماه هارفي ‘التراكم عبر النهب’: الاستيلاء على الموارد والأسواق والبنى التحتية بالقوة، بدلاً من الاستثمار المنتج.

الحرب على إيران، بهذا المعنى، ليست قراراً ترامبياً عشوائياً؛ إنها تعبير منطقي عن نظام، يحاول حل أزمته البنيوية بالأدوات التي يعرفها، والتي دأب على استخدامها تاريخيا؛ الحرب.

في هذا السياق، يغدو الموقع الاستراتيجي لإيران بالغ الثقل، إيران لا تملك مجرد احتياطيات نفطية ضخمة، بل تتحكم في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وفي منطق الرأسمالية المأزومة، السيطرة على ممرات الطاقة ليست رفاهة استراتيجية، بل ضرورة وجودية؛ فمن يتحكم في الطاقة، يسيطر على شروط تراكم رأس المال على المستوى العالمي، لهذا، حين هدّد ترامب بمحو محطات الكهرباء الإيرانية، ما لم تُفتح مياه هرمز، لم يكن يُصرّح بموقف عسكري فحسب، بل كان يُعلن المنطق العميق للحرب التي هي في جوهرها هيمنة على بنية الطاقة العالمية، والتحكم في ممرات التجارة العالمية.

وادي السيليكون في خدمة المدفع

الملمح الأبرز الذي يميّز إمبريالية 2026 عن كل ما سبقها، هو بروز الرأسمالية التكنولوجية شريكاً فاعلاً في المشروع العسكري، لم يعد المجمع الصناعي- العسكري كما عرفناه في القرن الماضي؛ بل تحوّل إلى مجمع صناعي/ عسكري/ رقمي، تقوده شركات وادي السيليكون التي توفّر ‘البنية التحتية للحروب.

الحرب على إيران كانت مختبراً كاشفاً لهذا التحوّل، فأنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في العمليات العسكرية أتاحت تنفيذ ‘ضربات قطع الرأس’ بدقة مذهلة، وفي ثوان معدودة، يضاف إلى ذلك، فإن التحكم في الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة، حَوّل الجغرافيا الإيرانية -كما جرى في غزة- إلى ‘مجموعة بيانات’ يجري معالجتها لتوليد قوائم الأهداف بشكل شبه آلي، شركات التكنولوجيا لم تعد تبيع سلاحاً بالمعنى التقليدي؛ بل تبيع ‘تفوقاً معرفياً’ يضمن تبعية الدول الأخرى لهذه المنظومات الرقمية إلى أمد بعيد.

وعلى الرغم من ذلك، فقد برزت مفارقة عميقة، فالرأسمالية التكنولوجية تحتاج إلى استقرار سلاسل التوريد (أشباه الموصلات، والهيليوم، والطاقة الرخيصة)، بينما الإمبريالية الترامبية تثير الفوضى التي تهدد هذه السلاسل، يضرب إغلاق مضيق هرمز أو حصاره صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية وتايوان، مما يكشف أن الإمبريالية الجديدة قد تدمر بنزقها وغرورها الأسس المادية التي يحتاجها عمالقة التكنولوجيا أنفسهم للنمو.

الرأسمالية المالية ورهان الحرب

تعتمد الإمبريالية الترامبية على تحالف وثيق مع الرأسمالية المالية التي تجد في الحروب وسيلة لإعادة ضبط الأسواق لصالحها، الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز أحدثا صدمة عنيفة في أسعار النفط، تجاوزت المئة دولار للبرميل، هذه التقلبات الحادة تفتح أبواباً ذهبية لشركات المضاربة المالية والتحوط لتحقيق مكاسب هائلة، الحرب وفق هذا المنظور ليست ‘فشلاً اقتصادياً’ في عيون صانعيها؛ بل هي ‘أداة إعادة توزيع ثروة’ لصالح نخب وول ستريت التي تموّل الأجندة اليمينية، ومن المفارقات أن روسيا ذاتها- المُعاقَبة بسبب حربها في أوكرانيا- استفادت من هذه الصدمة، إذ ارتفعت أرباحها النفطية بمئة وخمسين مليون دولار يومياً، مما يكشف كيف يموّل المعتدون- بقصد أو بغير قصد- خصومهم في جبهات أخرى.

سمات إمبريالية ترامب

الإمبريالية التقليدية لا تعمل في فراغ؛ تحتاج إلى تحالفات توزّع التكاليف وتُضفي الشرعية على سياساتها ومؤسساتها، حرب الخليج الأولى 1991، وعمليات البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وغزو العراق 2003 وأفغانستان من قبلها 2001- كلها حملت طابع ‘التحالف الدولي’، ولو كان واهياً، الحرب على إيران في 2026 تجري في عزلة شبه تامة؛ فالأوروبيون قلقون ورافضون في معظمهم، وتركيا متحفظة، ودول الخليج متحوطة… أما إسرائيل وحدها فهي المنخرطة بالكامل والداعمة.

هذه العزلة ليست مصادفة؛ إنها النتيجة المنطقية لسياسة ‘أمريكا أولاً‘ التي تعامل الحلفاء كأعباء لا كشركاء، لكن المفارقة أن هذه العزلة تُضعف الإمبريالية ذاتها؛ فتكاليف الحرب تقع على الخزينة الأمريكية وحدها، وانعدام الشرعية الدولية يُقيّد خيارات الإنهاء، والحلفاء يتآكل معهم النفوذ الأمريكي في مناطق حيوية أخرى.

الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تفقد تدريجياً ما هو أهم لاستمرار هيمنتها: القدرة على جعل الآخرين يسيرون معها طوعاً.

عقيدة ‘قطع الرأس’ والفوضى المستدامة

تعتمد هذه الإمبريالية في طبعتها الجديدة على تدمير القيادات المركزية دون امتلاك أي خطة لـ’اليوم التالي’، ترامب لا يريد ‘بناء أمم، بل يبغي ‘تحطيم دول’ وتركها لمصيرها، في إيران، أدى مقتل القيادات العليا إلى تحوّل النظام نحو ‘العسكرة المطلقة’، حيث بات الحرس الثوري هو الحاكم الفعلي، هذا النموذج لا ينتج استسلاماً؛ بل ينتج فوضى مستدامة، تضع المنطقة على فوهة بركان لا تهدأ، وبدفع الصراع إلى حافة الهاوية، أشعلت إدارة ترامب فتيل رد إيراني واسع وغير مركزي، وسّع رقعة المعركة لتشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

الطاقة والابتزاز الجيو سياسي

تستخدم إدارة ترامب الطاقة سلاحاً مزدوجاً؛ فهي تضغط على الصين عبر تهديد إمداداتها من الخليج، حيث يمر أربعون إلى خمسين بالمئة من نفطها عبر هرمز، وفي نفس الوقت تطالب الناتو والحلفاء بدفع ‘تكاليف الحماية’، هذا التغير يحوّل الممرات الملاحية الدولية من ‘مشاع عالمي’ إلى ‘رهائن جيو سياسية’. إغلاق هرمز لم يكن رد إيراني فحسب؛ كان اختباراً ناجحاً لقابلية عسكرة الطاقة، وأثبت أن الاقتصاد العالمي لا يزال مكشوفاً أمام هذا السلاح.

وبذلك تتجلى التناقضات؛ فالحرب التي أُريد لها أن تؤَمّن الطاقة وتحلّ أزمة الهيمنة الإيرانية، أنتجت بالضبط ما أرادت تفاديه، إغلاق هرمز أشعل أزمة طاقة حادة، رفعت أسعار النفط، وأنهكت الأسواق المالية الأمريكية، والتضخم الذي كان مزمناً اشتدّ وطأةً، وأسعار الوقود في المحطات الأمريكية قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، ليترجم كل هذا يومياً في جيوب الأمريكيين العاديين فاتورة للغطرسة الإمبريالية.

هذا ما يُسميه الاقتصاد الماركسي ‘تناقض رأس المال مع ذاته’؛ فرأس المال يسعى دائماً إلى توسيع شروط تراكمه، لكن هذا السعي نفسه يُنتج في مرحلة معينة أزمات تضرب عملية التراكم في صميمها، الإمبريالية أرادت أن تحل الأزمة بالقوة، فضخّت في الأزمة وقوداً جديداً، إنها حلقة مفرغة، تُغذّي ذاتها؛ فالأزمة تُنتج الحرب، والحرب تُعمّق الأزمة.

الجبهات الخفية: الغذاء والإنسان والبيئة

الحرب ليست مجرد صراع على الطاقة؛ إنها ماكينة تداعيات إنسانية، تطال ما هو أبعد من ميادين القتال، انقطاع تدفق كمية معتبرة من الأسمدة العالمية من منطقة الخليج يهدد الأمن الغذائي في إفريقيا وجنوب آسيا، ويطفو شبح ‘المجاعة البطيئة’ فوق الشعوب الأكثر ضعفاً، التهديد بتدمير البنية التحتية المدنية- محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء- سيمتد ضرره إلى أجيال.

وهكذا، تتجلى الإمبريالية الترامبية في أشد صورها عدوانية تجاه البشر؛ إذ تُضحّي بحياة الملايين في سبيل انتصار تكتيكي أو مكسب سياسي ضيق الأفق.

إمبريالية الأزمة ونهاية دورة

ثمة سؤال جوهري يطرحه هذا المشهد كله: لماذا الآن؟ لماذا تأخذ الإمبريالية الأمريكية هذا الشكل الفج تحديداً في هذه المرحلة؟ الإجابة لا تكمن في شخصية ترامب وحدها، رغم أنها ليست غائبة؛ بل تجد جذرها الأعمق في السياق الاقتصادي- التاريخي الذي أفرزه ومكّنه.

الرأسمالية العالمية تمر منذ أزمة 2008 بأزمة تراكم مزمنة: معدلات نمو منخفضة، وديون سيادية متراكمة، وتفاوت متصاعد يضرب الطبقات الوسطى في قلب الاقتصادات الغربية، في هذا السياق، يُقدّم ترامب نفسه زعيماً يُعيد للطبقات المتضررة من السياسات الاقتصادية شيئاً من الكبرياء والمكسب المادي، ولو على حساب بقية العالم. ‘أمريكا أولاً’ ليست شعاراً انتخابياً فارغاً؛ إنها استجابة شعبوية لأزمة هيكلية حقيقية، تُقدّم لها حلاً باهظ الثمن.

تاريخياً، تمر الإمبرياليات بمراحل متعاقبة؛ ففي مرحلة الصعود، تقوم على هيمنة مادية وقيمية متكاملة، وفي مرحلة الاستقرار، تُدير شبكة من التبعيات والمصالح المتشابكة، أما في مرحلة التراجع، فتنزلق تدريجياً من الهيمنة إلى الإكراه، مُعوِّضةً عن تآكل شرعيتها بتصعيد قوتها الصلبة.

الإمبريالية الأمريكية في 2026، تعيش بكل وضوح هذه المرحلة الثالثة، والحرب على إيران ليست مؤشراً على قوة متصاعدة، بل هي علامة على أزمة هيمنة؛ فحين لا تكفي الأدوات الناعمة، تتصاعد الآليات الخشنة.

ربما تكون الإسهامة الأكثر أهمية في قراءة إمبريالية ترامب ليست ما يُضيفه إلى الإمبريالية الأمريكية، بل ما يَكشفه منها، فالمشروع الليبرالي الإمبريالي التقليدي- من ترومان إلى أوباما- كان يُديم نفس المنطق المادي، لكن بلبوس قيمي/ أخلاقي: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والشرعية الدولية، والنظام الدولي الليبرالي، أما ترامب فنزع هذه الثياب دون خجل، هو لم يُغيّر طبيعة الإمبريالية، بل جعل جوهرها مرئياً ملموسا، وهذا الكشف يحمل أهمية كبيرة؛ إذ يُهدد شرعيتها ويُسرّع تآكلها.

أما المستفيدون الفعليون من هذا التوسع الإمبريالي المفرط، فهم- ويا المفارقة- أكبر خصوم واشنطن على المستوى النظامي: روسيا، التي تجني ثمار ارتفاع أسعار الطاقة لتموّل حربها في أوكرانيا، والصين، التي تستغل انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها في المحيطين الهندي والهادئ وتقديم نفسها، بديلاً مستقراً للتوحش الأمريكي. أما دول الجنوب العالمي، فتسعى بشكل متزايد إلى الحياد البرجماتي وتوثيق علاقاتها مع مجموعة البريكس بعيداً عن هيمنة الدولار.

دخان احتراق نظام

الحرب على إيران في مطالع عامنا الجاري هي ‘الابن الشرعي’ للتزاوج بين الرأسمالية المأزومة والإمبريالية الشعبوية، لقد انتقلت أمريكا من مرحلة ‘الإمبراطورية التي تبني نظاماً’ إلى مرحلة ‘الهيمنة التي تنشر الفوضى’ ظناً منها أن الفوضى المُدارة تضمن تفوقها التقني والمالي، لكن الفوضى، حين تُطلَق أشرعتها، نادراً ما تظل مُدارة.

الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذا المشهد المربك، ليست أن ترامب يستخدم فائض القوة بشكل استثنائي، ولا أن أسلافه كانوا حمائم السلام… الخلاصة أعمق: الإمبريالية الترامبية ليست انحرافاً عن مسار الرأسمالية الأمريكية، بل هي مرحلة من مراحل تطورها في لحظة أزمتها الكبرى، والرأسمالية حين تكون في أوج قوتها تستطيع أن تُديم هيمنتها بالإقناع والمؤسسات والخطاب القيمي، لكنها حين تدخل في أزمة تراكم حقيقية، وحين تتحدى قوى صاعدة مكانتها، تنزلق نحو الإكراه المباشر.

والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي تلجأ للقوة العارية وحدها دون مشروع سياسي أو أخلاقي هي إمبراطوريات في طور أزمة هيكلية؛ فالقوة الغاشمة لا تملأ الفراغ الذي تتركه الشرعية المتآكلة؛ بل تكشف حجمه وتعمّقه، والنظام الذي يعتمد على الإكراه المجرد دون شرعية، يُعلن بذلك أن دورته التاريخية تحتاج إلى تجديد، وإلا فإن النهاية مصيره، هي قد تطول وتكون مؤلمة موجعة للبشرية جمعاء.

ما نراه اليوم في عواصم المنطقة، ليس فجر عظمة أمريكية جديدة، إنه الدخان المتصاعد من احتراق النظام العالمي القديم تحت أقدام إمبريالية، لا تعرف غير لغة الصفقات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي والدم، إنها إمبريالية الأزمة التي قد تحطم العالم، وهي تحاول إنقاذ نفسها من السقوط.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.