أحمد بدر (رؤية الإخبارية)
مع بدء الحرب الإيرانية الأمريكية-الإسرائيلية لم تقتصر المعركة على الصواريخ والطائرات المسيرة؛ إذ بجانب استخدام السلاح المادي، كانت هناك حرب موازية في الفضاء الرقمي، حيث يُولد الذكاء الاصطناعي صورًا وفيديوهات وتسجيلات صوتية مزيفة تطمس الحقائق وتلفق النتائج.
اللافت للنظر في ظل متابعة الجماهير لهذه الحرب والجري خلف الأخبار والمعلومات أن هذه الحرب الموازية ليست هامشية ؛ بل هي جبهة استراتيجية مستقلة، لها أدواتها وجيوشها وأهدافها، وفهمها بات ضرورة سياسية وأمنية وثقافية في آنٍ واحد.
هذا النوع الجديد من السلاح وهو سلاح الرواية زاد الحمل على صُناع القرار، فلم تعد القرارات تبني فقط على التحركات العسكرية التقليدية.
الرواية سلاح استراتيجي وليست أداة دعائية
حرب الرواية في الصراع الإيراني الأمريكي-الإسرائيلي تجاوزت مرحلة كونها أداة دعائية مساندة للعمل العسكري، لتُصبح ركيزة استراتيجية مستقلة تُحدد مسارات الصراع ونتائجه وتكاليفه.
لذا يمكن استخلاص تحركات حرب الرواية في أربع محاور:
أولًا، لا تُحسم حرب الرواية بالتفوق التقني وحده؛ فالتفوق الرواياتي يتطلب فهمًا عميقًا للجمهور المستهدف ومخاوفه وقيمه وثغراته الإدراكية بناء على علم سيكولوجيا الجماهير المستهدفة.
ثانيًا، الشفافية المُدارة هي أحد أقوى أسلحة الرواية؛ فالجانب الذي يُقدم رواية ذات مصداقية أعلى حتى لو لم تكن مكتملة يتفوق على الجانب المُصرعلى التكتم المطلق.
ثالثًا، لا يمكن لأي طرف أن يفوز بالحرب الرواياتية بصورة حاسمة ونهائية؛ إذ هي ساحة مستمرة بلا نهايات قاطعة، وإدارتها الفعالة تُقاس بالتراكم التدريجي لرأس المال الرواياتي على مدى الزمن.
رابعًا، الجماهير والشعوب هم جنود حرب الرواية خاصة أننا في عصر الانترنت وهو عصر المتابعة المباشرة لكل لحظات الصراع. ويمكن لكل الأجيال المتابعة المباشرة دون تقييد؛ حتى أنك تجد الأطفال يبحثون ويصلون للمعلومة دون الرجوع لعقل أكبر.
في العالم الذي نعيشه حيث تنتقل المعلومات في ثوانٍ وتُشكل القناعات قبل أن يُتاح وقت التحقق منها بات فهم حرب الرواية وآلياتها ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورةً استراتيجية لكل من يرغب في قراءة هذا الصراع البالغ التعقيد بعيون مُبصرة وعقل واعي.
“السلوباجاندا” (Slopaganda) عندما يصبح الهراء إستراتيجية
من يشاهد كمية الفيديوهات المزيفة بالذكاء الاصطناعي الجيدة والرديئة التي انتشرت بخصوص هذه الحرب يظن أنها مجرد فيديوهات عبثية تم انتاجها بصورة ارتجالية، لكن الحقيقة أنها أداة من أدوات الصراع وهي تحت مفهوم “السلوباجاندا” (Slopaganda).
فقد صاغ الباحثان مارك ألفانو وميشال كلينتسيفيتش مصطلحًا جديدًا لوصف هذه الظاهرة: “السلوباجاندا” (Slopaganda)، وهو مزيج من كلمتي “سلوب” (الرديء/الزائد) و”بروباجاندا” (دعاية).
يُشير المصطلح إلى المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، والذي لا يهدف بالضرورة إلى خداع المشاهد بشكل كامل، بل إلى إغراق البيئة المعرفية بالضوضاء والتشويش، واستنزاف قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقي والمزيف.
ما يميز “السلوباجاندا” هو أنها لا تهتم بالصدق من الأساس. أي أنها تنتج محتوى غير مكترث بالحقيقة.
فالمقطع المصور الذي يظهر ترامب وهو يلقي فضلات الطائرات، أو الفيديو الذي يجسد قادة العالم على شكل شخصيات “ليغو”، ليسا مصممين لخداع أي شخص عاقل، بل لخلق روابط عاطفية ونفسية مثل ربط ترامب بالشيطان، وربط أمريكا بالشر، وترسيخ صورة إيران كقوة لا يُستهان بها.
المشكلة الأعمق تكمن في ما يُسمى “انهيار السياق” (Context Collapse). فمقطع ساخر أو ترويجي يُقصد به أن يكون فكاهيًا، قد يُفهم خطأ على أنه حقيقي عندما يخرج عن سياقه الأصلي. وهذا يحدث بالفعل على نطاق واسع، خاصة في أوقات الأزمات عندما يكون الجمهور متعطشًا للمعلومات وتكون المصادر الموثوقة نادرة. والنتيجة هي تآكل الثقة في كل شيء. فالمشاهد لم يعد يثق بالمحتوى الرسمي لأنه قد يكون مزيفًا، ولا بالمحتوى المستقل لأنه قد يكون جزءًا من الحملات الدعائية، وهذا هو المطلوب من هذا الأسلوب الدعائي.
التزييف العميق (Deep Fake) و التزييف الخفي (Shallow Fake)
التزييف العميق وهو السلاح الأكثر تأثيرًا الذي ظهر فيه تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي وخطورته أنه أصبح في متناول الجميع، وبات بمقدور أي شخص إنشاء مقاطع فيديو وصور مقنعة للغاية تُصور حادثة كبرى يصعب كشفها بالعين غير المدربة.
والأمثلة كثيرة منها مقاطع الفيديو التي تُظهر انفجارات ضخمة، ومقاطع فيديو تظهر ضربات صاروخية ناجحة على سفن حربية، أو مجموعة من البشر ينعون خسائرهم وكل ذلك مصطنع بالكامل.
كمثال: صورة ديب فيك تُظهر عمال الإسعاف وهم يعثرون على جثة المرشد الأعلى خامنئي، نشرتها حسابات على الإنترنت وكأنها صورة أصلية. وفيديو آخر متداول بكثافة يثبت أن خامنئي لا يزال حيًا، أنها حرب الرواية.
التزييف الخفي (Shallow Fake) وهو سلاح ظهر كنتيجة لتطور المحتوى المزيف، فمع ازدياد وعي الناس بالصور والفيديوهات المزيقة طور صانعو المحتوى تزييف جديد يظهر في صورة خفية فيقدم ظلالًا من الحقيقة بدلًا من الكذب الصريح، في صورة محتوى يتجاوز مستشعر الزيف لدى المتلقي. حيث يعتمد على نمط الدجل، حيث يخلط حقائق بباطل ليجعل الحقائق هي التي تدافع وتمرر الجزء المزيف.
ضرر انتشار هذا التزييف لا يقتصر على نشر الأكاذيب؛ بل يقوض الأساس ذاته للحقيقة الموضوعية بتعزيز الشك الشامل. ويجعل المتلقي يرفض الأدلة الحقيقية طالما لا تحقق روايته التصورية والنفسية.
اضطراب القرارات
لقد بلغنا مستوى من الواقعية في التزييف من حيث محتوى الفيديو والصوت والصورة بحيث لا يستطيع معظم الناس تمييزها عن الحقيقة فظهرت أزمة القرارات.
فحين لا يعرف القادة ما إذا كان مقطع الفيديو حقيقيًا أم مزيفًا، فربما تتأثر قرارات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة بناء على هذه الوهم المنتشر وربما تتصاعد الاضطرابات خاصة عندما تبنى على ضغط الحاضنة الشعبية.
وهنا تظهر أزمة الشرعية كما حدث في الداخل الاسرائيلي والأمريكي فالحرب تُكسب وتُخسر أمام الرأي العام قبل نتائج الميدان. فنري أن عواقب هذا السلاح وهو سلاح التزييف تتجاوز بكثير المظاهر العسكرية.
بجانب أزمة القرار وأزمة الشرعية هناك أيضًا أزمة التحالفات، فعندما تم تزييف تصريحات رئيس الوزراء الهندي مودي وجعلته يُعلن أن إيران “دولة إرهابية” ويتضامن مع إسرائيل، ما أشعل ذلك توترات دبلوماسية.
سلاح الرواية ليس فقط سلاح لتمرير المحتوى وتزييف الحقيقة بل كما هو مشاهد يصنع حالة من الاضطراب في القرارات. وبناء على ذلك تم انشاء كثير من مراكز الأبحاث فقط من أجل كشف الزيف وتوضيح الحقيقة للمتلقي.
جوهر خطورة سلاح الرواية
أخطر ما في سلاح الرواية أنه لا هدنة فيه، فالحرب الميدانية تنتهي بمعاهدات ووقف إطلاق نار، أما حرب الرواية، فلا تنتهي، فخطورة هذا السلاح تكمن في البنية التحتية التي تصنعه وتمكنه وتجعله واقعي، بداية من الانترنت الذي أتاح إنتاج المحتوى للجميع، ووسائل التواصل الاجتماعي التي ألغت حراسة التحرير، والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أزال الحاجز التقني وساعد في صنع إعلام مزيف مقنع.
وأما خطورة سلاح حرب الرواية على المستوى الإنساني، فالثمن باهظ. ففي خضم هذه الحرب الرقمية، ضاعت الحقيقة ذاتها. إن مقاطع الفيديو التي تظهر أطفالًا يبكون تحت الأنقاض قد تكون حقيقية، لكن الشك الذي يثيره الذكاء الاصطناعي يَحول دون اتخاذ موقف أخلاقي حاسم.
إنه عصر “ما بعد الحقيقة” العسكري، حيث لا يهم ما حدث بقدر ما يهم ما يصدقه الناس أنه حدث. وفي هذا الفراغ، ينتصر الظلام، ويخسر الجميع، الضحايا، الصحفيون، وحتى المجتمعات التي تسعى لفهم العالم من حولها.
المستفيد الأكبر من هذه الفوضى ليس إيران ولا أمريكا، بل “آلة اللامبالاة” التي تغذيها التكنولوجيا. فبينما ننشغل بتمييز الحقيقي من المزيف، ننسى الضحايا الإنسانية. وعندما تصبح الحرب “ميمات” و”مقاطع فيديو سريعة”، نفقد قدرة على التمييز بين العسكري والمدني، بين السياسي والإنساني. في معركة إغراق الفضاء بالمعلومات، كانت الخسارة الأكبر هي “الحقيقة” نفسها.
هذا المشهد يظهر أن من يتحكم في الرواية يتحكم في الواقع أو في ما يُظن أنه واقع، حيث تتداخل سيكولوجيا الجماهير مع شيطان التكنولوجيا وهو الذكاء الاصطناعي.