رانيا مكرم (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)
لم تعد وظيفة الصورة في سياق التفاعل السياسي المعاصر مقتصرة على كونها منتجاً بصرياً محايداً أو أداة توثيق للحظة ما، إذ تحولت إلى أداة رمزية تلقي بظلالها على المجال العام وتؤثر فيه، كما باتت تحمل دلالات تتجاوز حدودها المباشرة، لتلامس أنماط وسياقات العلاقات السياسية والإقليمية بين الدول، وتشتبك مع باقي أدوات التعبير عن المواقف والانحيازات.
وتكتسب بعض الصور حضوراً وتأثيراً مضاعفاً حين تلتقط أو يعاد تداولها في لحظات شديدة الحساسية والتعقيد، ما يجعل المتلقي مدفوعاً للتفكير في ما وراء هذه الصورة، وما هو المقصود من تداولها أو الاحتفاء بها في هذا التوقيت. بمعنى آخر؛ يصبح تلقي الصورة وإعادة تداولها جزءاً من عملية سياسية أوسع، تتداخل فيها الرسائل الرسمية وغير الرسمية، المقصودة والعفوية.
في هذا الإطار، تبرز أهمية قراءة الصورة بوصفها نصاً بصرياً، لا يقل أهمية عن الرسائل الرسمية، لاسيما عندما تأتي في سياق متوتر مثل الذي تمر به المنطقة الآن، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي، وإعادة تموضع القوى الإقليمية، وتغير أنماط التوازن بينها، ما يعلي من أهمية توظيف أدوات التلويح بالقوة، والتأكيد على القدرة على الردع الصلب والرمزي لدى الدول.
الصورة كرسالة
تاريخياً، لطالما استخدمت الدول والمؤسسات العسكرية الصورة كأداة لبث الرسائل السياسية، سواء عبر الاستعراضات العسكرية، أو الزيارات الميدانية، أو اللقطات الرمزية التي تبرز الجاهزية والانضباط والتماسك الداخلي. إذ ارتبطت الصورة بوظيفة التوثيق، لاسيما في سياق الحروب والأزمات، حيث لعبت دوراً مهماً في تسجيل اللحظات المفصلية، وإتاحتها للجمهور خارج حدود التجربة المباشرة. وبمرور الزمن مع تطور تقنيات التصوير والنشر، وصعود الصحافة المصورة ثم الإعلام الرقمي، تحولت الصورة من كونها شاهداً على حدث ما، إلى فاعل مهم في إعادة تشكيل أبعاده، واسترجاع دروسه، واستعادة المشاعر المصاحبة له؛ للتأثير في المجال العام وربما توجيهه أيضاً.
وفي الحالة المصرية تحديداً، لعبت الصورة دوراً مهماً في التعبير عن مفاهيم الاستقرار والقدرة على الردع، دون الدخول في خطاب تصعيدي مباشر. إذ يكفي إعادة نشر صور ذات دلالة للرسائل المرغوب بثها، وإعادة تصديرها للمجال العام الداخلي والخارجي. ومصر في الحقيقة تمتلك في هذا الإطار رصيداً ضخماً من الصور المعبرة، من بينها بالطبع صورة الجندي المصري صاحب لقطة النصر الشهيرة عقب تخطي الجيش المصري لخط بارليف وعبور قناة السويس في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، تلك الصورة التي انتشرت بشكل كبير عقب وفاة الجندي البطل حسانين أحمد في 3 مايو الجاري (2026). وعلى الرغم من أن الصورة لا تعود له، وإنما لبطل آخر توفى قبل 9 سنوات وهو البطل عبد الرحمن القاضي فرقة 19 مشاة، فإن كلاهما بطل، مثلما الحال لكل من شارك في تحرير الأرض الغالية. وبصرف النظر عن صاحب الصورة، فإن رمزيتها تعد مثالاً لتعظيم المجتمع لمعنى استعادة الأرض مهما كان اسم صاحبها.
ويظل البعد الرمزي لصور حرب أكتوبر حاضراً بقوة في تشكيل الوعي الجمعي المصري تجاه المؤسسة العسكرية، كما في صورة الجندي المصري الذي رفع أول علم لمصر على أرض سيناء، والتي تتجاوز دلالتها حدود التوثيق التاريخي لهذا الحدث الاستثنائي، إلى كونها تمثيلاً بصرياً لفكرة السيادة واستعادة الأرض.
وبالعودة إلى صورة النصر؛ فإن الاحتفاء بها في هذه المناسبة، يأتي في ظل تطور تشهده البيئة الإعلامية، خاصة الرقمية منها، حيث تتفاعل المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي سواء من خلال الصفحات التابعة لمؤسسات إعلامية أو صفحات شخصية، مع الأحداث السياسية التي تشهدها البلاد، والتطورات الإقليمية التي تجري في محيط مصر الإقليمي، والتي لا تعد طرفاً مباشراً فيها، وإنما تتأثر بمعطياتها وتداعياتها بشكل كبير، لاسيما في ظل استمرار الممارسات الإسرائيلية في المنطقة بدءاً بالحرب على غزة ثم لبنان وأخيراً إيران، وتصاعد التصريحات الإسرائيلية الاستفزازية لدول المنطقة.
هذه التطورات على الأرجح استدعت إلى جانب أسباب أخرى، بث مصر رسائل ردعية صلبة ضمنية قدمها الجيش المصري في صورة مشروع تكتيكي بالذخيرة الحية "بدر 2026" لإحدى وحدات الجيش الثالث الميداني، تلك التدريبات التي أثارت جدلاً واسعاً في الداخل الإسرائيلي، وبثت في الوقت نفسه رسائل طمأنة في الداخل المصري لصورة دولة مستقرة قادرة على ردع أي تهديد محتمل رغم جنوحها الدائم للسلم.
وفي هذا السياق، فإن أي ظهور مرتبط بالمؤسسة العسكرية أو التحركات الميدانية أو التدريبات، غالباً ما يُقرأ من خلال مسارين متوازيين؛ الأول: مسار داخلي، يتعلق برسائل الطمأنة على الجاهزية وتطوير القدرات المستمر. والثاني: مسار خارجي، يرتبط بإشارات غير مباشرة إلى أطراف إقليمية أخرى، تؤكد القدرة على الردع، حتى في حال عدم وجود تصريح سياسي مباشر مصاحب.
الصورة كأداة تأثير في الرأي العام
تتمتع الصورة بقدرة استثنائية على التأثير في عاطفة الجمهور، وهو ما يجعلها أكثر فاعلية من النص في العديد من السياقات الإعلامية. فبينما يعتمد النص على البناء المنطقي، تعمل الصورة على مستوى الإدراك الفوري والانطباع المباشر، بما يسمح بإنتاج استجابة عاطفية سريعة سواء بالتعاطف أو الرفض أو الصدمة أو التأييد.
يجعل هذا البعد العاطفي الصورة أداة محورية في تشكيل الرأي العام، لاسيما في أوقات الأزمات، حيث يميل الجمهور في ظل كثافة التدفقات المعلوماتية وتسارع الأحداث إلى الاعتماد على الوسائط البصرية بوصفها مدخلاً سريعاً ومباشراً لفهم ما يجري.
وتكتسب الصورة في هذه اللحظات دوراً مزدوجاً؛ فمن ناحية، تسهم في تعزيز التماسك الداخلي عبر استدعاء رموز القوة الوطنية وترسيخ الإحساس بالقدرة على المواجهة، ومن ناحية أخرى، تعمل كأداة لإعادة تأطير الواقع بطريقة تقلل من حدة القلق وتحد من تأثير الضغوط الخارجية، دون الحاجة إلى خطاب مباشر أو صدامي. وبذلك، تصبح الصورة جزءاً من آلية أوسع لإدارة التوازن النفسي والمعرفي داخل المجتمع.
وفي الحالة المصرية، يتجلى هذا التوظيف بوضوح في الحضور المتكرر للصور المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، سواء تلك التي تعود إلى لحظات تاريخية مفصلية أو المرتبطة بالجاهزية الراهنة. إذ تستدعي هذه الصور بوصفها أرشيفاً بصرياً، وكأدوات نشطة لإعادة إنتاج الثقة العامة، عبر ربط الماضي الذي شهد استعادة الأرض بالحاضر الذي يؤكد القدرة على حمايتها. ومن ثم، تعمل الصورة هنا كوسيط هادئ عميق التأثير، يرسخ معادلة القوة المنضبطة، التي تجمع بين إظهار الجاهزية العسكرية والحفاظ على خطاب متزن يميل إلى الاستقرار، وهي المعادلة التي تكتسب أهميتها في بيئة إقليمية معقدة، حيث يصبح الحفاظ على التوازن بين الطمأنة الداخلية وتجنب التصعيد الخارجي هدفاً رئيسياً لإدارة الرسائل الإعلامية.
ويمتد تأثير الصورة أيضاً بالنظر إلى توقيت ظهورها في المجال العام، حيث يصبح التوقيت عنصراً مهماً في إنتاج دلالتها. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التزامن الذي تصادف فيه إعادة تداول صورة النصر المرتبطة بحرب أكتوبر، وتنفيذ مناورات عسكرية مكثفة في جنيفة، باعتباره نمطاً من توظيف التوقيت ضمنياً لإنتاج رسالة مركبة متعددة المستويات.
أفضى هذا التزامن إلى وجود تفاعل ضمني غير مقصود بين مستويين من التعبير عن القوة الردعية: مستوى رمزي يستدعي الذاكرة الوطنية ويعيد تنشيطها من خلال الصورة، ومستوى عملي يتجسد في الفعل العسكري الميداني من خلال المناورات العسكرية الواسعة التي أجراها جزء من الجيش المصري. وبهذا المعنى، يصبح التوقيت أداة لربط الماضي بالحاضر، بحيث لا تستدعى الصورة بوصفها ذكرى، بل بوصفها امتداداً لمعنى مستمر يتجدد في الواقع.
في المحصلة؛ يعكس توظيف الصورة في الحالة المصرية نمطاً متماسكاً يقوم على تعدد أدوات التأثير. فالصورة، بما تحمله من دلالات رمزية متجذرة في الذاكرة الوطنية، والتدريبات العسكرية، بما تعكسه من جاهزية فعلية على الأرض، تمثلان مسارين مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان في الوظيفة.
ففي حين تعزز الصورة الردع الرمزي عبر استدعاء معاني السيادة والانتصار وترسيخها في الوعي الجمعي، تعكس التدريبات العسكرية مستوى الردع الصلب المرتبط بالقدرة والاستعداد. ورغم أن كلاً منهما يتحرك في سياقه الخاص، فإن تفاعلهما داخل المجال العام خاصة في لحظات التوتر على الساحة الإقليمية يسهم في إنتاج رسالة أوسع متعددة المستويات، تستهدف الداخل عبر الطمأنة وتعزيز الثقة، والخارج عبر الإشارة إلى توازن قائم بين الجاهزية والانضباط، في إطار لا ينفصل عن توجه عام يوازن بين تثبيت الاستقرار وتجنب التصعيد، وهو ما يعكس نمطاً اتصالياً يوظف أدوات القوة الصلبة والرمزية في آنٍ واحد، دون الإخلال بمعادلة التوازن الحاكمة للسياسة المصرية في محيط إقليمي شديد التعقيد.