مقالات

هندسة المستقبل السياسي بين العلم والخرافة

post-img

عمار علي حسن (مصر 360)

لم يعد الخيال السياسي سواء في تعريفه أو في حقيقته مجرد تهاويم عابرة أو شطحات مارقة، إنما بات مسارا علميا له أدوات ضبطه، كما سيتم تناوله فيما بعد، لا سيما بعد أن انتقل علم السياسة، من مجال “الينبغيات” التي صبغته سنين عددا، في كنف القانون إلى دراسة ما هو قائم، وكائن بالفعل في رحاب العلوم السلوكية، التي ساعدت من دون شك، الباحثين على التنبؤ بالسلوك السياسي.

والخيال يتشابه في جوانب منه مع النبوءة، بمختلف أنماطها، أو بمعنى أدق، لا تأتي القدرة على التنبؤ إلا لصاحب خيال علمي خصب، كما يوجد الخيال في كل أنواع النبوءات، والتي يمكن سردها على النحو التالي:

أ ـ النبوءات المحققة لذاتها: وهي التوقعات التي تحدث بالفعل في الواقع المعيش، سواء بحذافيرها، كما تنبأ بها أصحابها أو بتغييرات طفيفة، ومن الأمثلة على هذا، ما فعله بيل جيتس Bill Gates حين فكر في احتكارات بمجال الحاسوب، رغم أن الظروف التي كانت سائدة وقت انطلاق فكرته، لم تكن لصالحها.

ب ـ النبوءات الهازمة لذاتها: مثل التوقعات التي تحول دون وقوع أحداث معينة في المستقبل، كأن يتنبأ أحد الخبراء بتفشي مرض معين، فتقوم الجهات الصحية باتخاذ ما يلزم في سبيل تجنب هذا، أو يقوم أحد الباحثين أو السياسيين بتوقع اندلاع حرب أهلية في بلد ما، إن استمرت الأوضاع على حالها أو تفاقمت، فتنتفض أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع للعمل على تفادي الوقوع في هذا المنزلق. 

ج ـ النبوءات في حد ذاتها: وهي توقعات لا يعمل أحد على الحيلولة دون وقوعها، إن كانت سيئة، ولا تعزيز حدوثها، إن كانت حسنة، إنما هي تلفت انتباه الناس إلى موضوعات معينة، وتقدح الذهن في التفكير بشأنها، حتى لو كانت هذه الموضوعات بعيدة عن القضية الرئيسية التي تدور حولها النبوءة.

والنبوءة التي نقصدها بالقطع، ليست تلك التي تقوم على “الخوارق” أو “الإلهام الإلهي” الذي خص به الله سبحانه وتعالى أنبياءه الكرام وأولياءه الصالحين، وليست القائمة على أعمال السحر والتنجيم وقراءة الطالع، إنما هي التي تنبت في حضن التفكير العلمي ذي المنهج المحدد الصارم، والمتفاعل مع الحدس والبصيرة. وقد حفل العالم طيلة تاريخه بحديث عن هذا اللون من النبوءات، والتي لديها قدرة على جذب الناس بغموضها ولعبها على المخيلات.

فمثلا كان الإغريق الأقدمون ينظرون إلى العرافة “أوراكل” الجالسة في حالة من النعاس وسط سحب البخور طيب الرائحة في معبد “دلفي”، باعتبارها تمثل برهانا لدى المقبلين على اتخاذ القرارات المهمة في حيواتهم. فقد كانوا يأتونها ويجلسوا إلى وسيطة بينهم وبينها، تدعى “بيقيا” ويسألونها، فتحمل أسئلتهم إليها، فتجيب بأقوال مبهمة وملغزة، تأتي في ثوب شعري خالص، وكل منهم يفسرها كيفما شاء.

 وحين قالت للتاجر “زينون”: عليك أن تتمدد بجانب الموتى، فسر ما سمع على أنه طلب منه لقراءة الكتب القديمة، ففعل وصار فيلسوفا. وحين سألها “خايرفون” زميل سقراط عن أكثر الناس معرفة وحكمة، فأجابته هذه المرة بطريقة واضحة وقاطعة: إنه سقراط. ووصل الخبر إلى سقراط فتشجع على مواصلة البحث ليصبح من حكماء البشرية عبر تاريخها المديد.

وفي مرة طلبت بعثة من أثينا، كانت تريد أن تعرف أفضل الطرق لصد هجوم ملك الفرس أحشوروش الأول (520– 465 ق. م) فردت عليهم قائلة: “من أعلى قمم المعابد يتدفق دم أحمر غامق ككرز لسوء الحظ المحدق. فلتتركوا الغرفة المقدسة، ولتبقوا شجعانا إبان الويلات والخطر! فقط السور الخشبي، الذي لن يدمر، يهديه كبير الآلهة زيوس لابنته أثينا، لأجلك أثينا ولأجل الأطفال فلتستخدموه”.

وعادت البعثة إلى أثينا لتتداول الرأي حول ما سمعت، ودب بين أفرادها اختلاف، فهناك من فسر السور الخشبي، على أنه أشجار الأشواك الكثيفة حول “الأكروبول”، لكن سرعان ما غاب هذا التفسير لحساب آخر، يقول إن المقصود هو بناء أسطول حربي، وانتصر هذا الاتجاه، وجهزوا الأسطول بالفعل، وانتصر الأثينيون في هذه المعركة، وهم أقل عددا وعدة.  

وفي القرن السادس عشر، ظهر رجل في فرنسا، يعمل صيدلانيا ومنجما، لا تزال شهرته تجوب الآفاق، اسمه نوستراداموس أو ميشيل دي نوسترادام (1503- 1566)، لم ينتظر أن يذهب الناس إليه، ليسألوه على غرار “أوراكل” فيجيبهم، لكنه شرع في نشر نبوءاته في صيغة شعرية على هيئة رباعيات، حواها كتابه “النبوءات”، الذي ظهرت الطبعة الأولى منه سنة 1555.

فعلى سبيل المثال قالت أول نبوءة في المئة الأولى:

“اجلس وحيدا في الليل في دراسة متكتمة.

إنها موضوعة على الحامل النحاسي ذي القوائم الثلاث.

تخرج شعلة واهية من قلب الفراغ

وتدفع إلى النجاح ما لا ينبغي الإيمان به؛ لأنه باطل”.

أما النبوءة الأخيرة في هذه المئة فقالت:

“سيكون هناك اضطراب مريع في الجزر

على رغم إن المرء لا يسمع إلا الطرف المحب للحرب.

سوف يكون خطر النهابين كبيرا جدا إلى حد

إنهم سيأتون للانضمام إلى الحلف الكبير”.

وامتلأ الكتاب بظلال لرموز، وردت في الكتب المقدسة وأعمال أخرى تنبؤية، أعيدت صياغتها في ثوب شعري غامض، مفتوح على تأويلات عدة. ومنذ ذلك الحين، كلما وقعت حادثة كبرى، اتجهت العيون والأذهان إلى هذا الكتاب، تبحث فيه عما يتطابق مع ما جرى، ليقول كثيرون: هذا ما تنبأ به نوستراداموس، وكانت هذه الأقوال تحتدم، إن كانت النبوءة تتعلق بموت ملك، أو وراثة عرش، أو هزيمة جيش.

ويقال إن زوجة جوبلز، وزير دعاية هتلر، أيقظته ذات ليلة، عندما فرغت من قراءة نبوءات نوستراداموس، لتخبره، بأنها تتوقع هزيمة ألمانيا، فسارع بتوظيف منجم اسمه كرافت؛ كي يرد عليها بنبوءات مضادة.

وبعيدا عن مثل هذا الفيض الأسطوري للنبوءة، هناك حالات لصورة أخرى من النبوءات بعضها صدق، وبعضها كذب. وكثيرا ما صدقت نبوءات في مجال الطقس والمناخ، والمال والأعمال، والعلوم والتقنيات، وتوالت الاستكشافات العلمية المذهلة.

وهناك نبوءات فشلت فشلا ذريعا، مثل ما تنبأت به صحيفة “نيورويك تايمز” في التاسع من أكتوبر 1903، من أن الآلة الطائرة التي ستحلق في الفضاء ستتطور بفضل جهود علماء الفيزياء والرياضيات خلال فترة من مليون إلى عشرة ملايين سنة. ففي ذلك اليوم نفسه، بدأ الأخوان رايت في تجميع أول طائرة في دكان صغير كانا يمتلكانه، ولم تمض سوى أسابيع قليلة، حتى كانت تحلق بالفعل.

وكثيرا ما تظهر التنبوءات الفاشلة في المجال العسكري، والمثل الصارخ على هذا ما قال به قائد سلاح الجو الإيطالي في الحرب العالمية الأولى الجنرال جوليو دويه في كتاب ألفه سنة 1921، اعتبر فيه أن اختراع الطائرات المقاتلة جعل جميع أجهزة الجيش الأخرى بالية، وغير ضرورية، وهو ما ثبت خطؤه طيلة العقود الفائتة.

وحتى تكون عملية التنبؤ علمية، على من يقوم بها أن يقطع عدة خطوات، يمكن ذكرها على النحو التالي:

1 ـ تجميع وتصنيف كل ما تم إنجازه مسبقا في الموضوع المراد التنبؤ به، ثم تحديد كيفية الاستفادة منه على أفضل وجه ممكن.

2 ـ تعيين وفهم الظرف أو السياق الذي يعمل به حاليا، والعناصر التي تحدده وتتحكم فيه، سواء الآن، أم في المستقبل.

3 ـ توقع ما يحتمل أن يظهر على الساحة في قابل الأيام من هذه العناصر، سواء كانت جديدة غير مألوفة، أو قديمة تتجدد.

4 ـ القيام بجمع بيانات ومعلومات حول الموضوع المراد التنبؤ به، ثم تحليلها على نحو دقيق علميا، وفق اقتراب أو منهج وباستعمال أدوات منضبطة.

5 ـ سؤال من لديهم خبرة بالموضوع وسبق أن عركوه، ويمتلكون تصورا بخصوصه، عن توقعاتهم لما سيأتي، وتسجيل هذا كما أورده أصحابه، ثم القيام بتحليله.

6 ـ يتم هذا وفق عدة مبادئ منها، تحقيق وتعظيم المكاسب وتجنب وتقليل الخسائر، والاستفادة القصوى من الفرص المتاحة كافة، وتفادي أي قيود أو مشكلات، يمكن أن تحدث مستقبلا، والتعامل بواقعية مع الأهداف المبتغاة.

وهذا التنبؤ العلمي الذي يشكل جانبا أساسيا من الخيال مهم بالنسبة للدراسات المستقبلية، إذ إن أحد الاقترابات الفلسفية للدراسات المستقبلية متصل باليوتوبيا التي تطالب ببناء المستقبل على قاعدة ما نتمناه لمجتمعنا وضرورة وصوله إلى الحالة المثلى التي نحلم بها.

 كما أن الدراسات المستقبلية بدروها تفتح آفاقا لـ “إعمال الفكر والخيال في دراسة مستقبلات ممكنة Possible future، أي بغض النظر عما إذا كان احتمال وقوعها كبيرا أو صغيرا، وهو ما يؤدي إلى توسيع نطاق الخيارات البشرية، وهذا يعني أن العلاقة بين الأمرين تبادلية، أو أن كلا منهما يغذي الآخر. فدراسة المستقبل تحتاج إلى إعمال الخيال، بمعناه العلمي والمنهجي والمنطقي، والدراسات المستقبلية تفتح أبوابا جديدة؛ لتعزيز القدرة على الإبداع والتخيل.

إن استشراف المستقبل لم يعد ترفا، تقوم به المؤسسات الكبرى والدول المتقدمة، بل بات ضرورة لكل المؤسسات وكل الدول. وقد أطلق العالم الألماني أوسيب فلختهايم على عملية التنبؤ المستقبلي “علم المستقبل” أو “المستقبلية” Futurology، لكن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الدولة الأسبق في الاهتمام بهذا المجال، ووظفته في صناعة القرار الرشيد، ولذا أنشأت عام 1945 مؤسسة للدراسات المستقبلية، أطلقت عليها اسم “RAND”، والتي لا تزال تصدر العديد من الدراسات حول مستقبل السياسات المحلية والدولية، خاصة في مجال الاستخدام المستقبلي للأسلحة الاستراتيجية الأمريكية.

ويمكن استقراء المستقبل بالاستناد على نموذجين، الأول ثابت Static، يعتمد إلى حد كبير على مجموعة من البيانات التي تغطي فترة تاريخية ماضية، ثم يقوم باستقراء خطي Projection والثاني متحرك Dynamic، يواكب التغير الجاري في البيانات والمعلومات والمواقف. وكلاهما يعتمد على وضع سيناريو أو حالة متوقعة، قد لا نصل إلى ما ستكون عليه كاملا، لكننا على الأقل نقترب من معرفة بعض جوانبها أو أغلبها.

وهناك عدة خصائص منهجية، يجب توافرها في الدراسات المستقبلية، حسب دراسة سحر صبري، ونعمة زهران، “التفكير النظمي في الدراسات المستقبلية: من التحليل إلى التعقيد والتركيب والنمذجة”، يمكن ذكرها على النحو التالي:

ـــ النظرة الكلية أو الشاملة مدى تشابكها وتداخلها وتفاعلها مع بعضها البعض.

ـــ يجب مراعاة التعقد الشديد الذي تتسم به بعض الأمور، أو دراسة الظواهر من شتى جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وخلافه، وإدراك كل ما يكتنف أي ظاهرة، وعدم الوقوع في فخ التبسيط المخل، أو التجريد الذي لا يعين أو يحدد الأمور بشكل جيد.

ـ من الضروري فهم ما يزخر به الواقع من انعدام يقين، وحركة دائبة لا تخمد، وما تهديه شبكة التفاعلات والعلاقات بين الأشياء والأمور.

ـ من المهم القراءة الفاحصة والحصيفة للماضي، وما ساد فيه من اتجاهات ومواقف، وكذلك دراسة الحاضر في تناقضاته، حتى يمكن الإمساك بالمفاتيح الصالحة لفهم الاتجاهات المحتملة في المستقبل.

ـ علينا أن نقرأ تجارب الآخرين وخبراتهم؛ كي نستفيد منها في فهم آليات التطور، وتعاقب المراحل، والوقوف على القيود التي تعوق الحركة، ومعرفة سبل تجاوزها.

ويأتي الخيال ليعطي هذه الخصائص المنهجية دفعة كبرى من زاوية “الفكر المستقبلي”، الذي حقق نجاحا، يفوق بكثير ما أنجزته الدراسات المستقبلية، التي أخفقت في توقع تسارع الأحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة، فبينما كانت الدراسات المستقبلية تتحسس خطاها نحو تجويد وتدقيق مناهجها، كان الفكر الفلسفي، بامتلاكه عمقا فلسفيا، يقدم رؤية أكثر اتساعا، ويهندس المستقبل على نحو جيد.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.