مصر 360
تشير التطورات الجارية في مضيق هرمز إلى اتجاه إيراني متسارع نحو ترسيخ هيمنة فعلية على الممر البحري، ليس فقط عبر التحكم العسكري والأمني، وإنما أيضًا من خلال إعادة تنظيم حركة العبور، وفق ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة، تقوم في جوهرها على الانتقال من منطق الإغلاق إلى منطق الإدارة. فبدل تعطيل الملاحة بشكل شامل، تتجه طهران إلى إدارة التدفقات بوصفها سلطة أمر واقع، تتحكم في شروط المرور لا في منعه بالكامل، وهو تحول بنيوي في طبيعة الأزمة، من شأنه أن يحول المضيق لبحيرة إيرانية.
وفي هذا الإطار، اتجهت إيران إلى فرض تصاريح عبور ورسوم على بعض الدول، مع العمل على شرعنة هذا الواقع عبر تفاهمات ثنائية مباشرة مع الدول المعنية، إلى جانب بروز توجه نحو تحصيل رسوم العبور باليوان الصيني، بدلًا عن الدولار، بما يعكس مسعى متدرجًا لإعادة تشكيل المنظومة المالية المرتبطة بتجارة الطاقة، والملاحة في المضيق وربطها بصورة أكبر بالشراكة الاقتصادية مع الصين، بما ينسجم مع مسار أوسع لتقليص الاعتماد على الدولار في تجارة الطاقة العالمية.
وفي سياق ترسيخ هذا الواقع، اتجهت إيران إلى إنشاء هيئة متخصصة لإدارة وتنظيم حركة المرور في المضيق، بما يشمل إصدار تصاريح العبور والإشراف على حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة، في خطوة تعكس سعيًا لتحويل السيطرة الميدانية إلى بنية إدارية وتنظيمية دائمة تمنح الهيمنة الإيرانية طابعًا مؤسساتيًا أكثر استقرارًا، قائمًا على التنظيم والرقابة وتوزيع الامتيازات.
ورغم إغلاق المضيق جزئيًا وتقييد حركة الملاحة، استمرت ناقلات النفط الإيرانية في العبور نحو الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما سُمح بمرور ناقلات متجهة إلى باكستان، في خطوة يُنظر إليها، باعتبارها مكاسب سياسية لإسلام آباد مقابل دورها التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة. كذلك امتدت الاستثناءات إلى قطر عبر السماح بمرور ناقلات الغاز الطبيعي المسال، بما يعكس استخدام طهران للمضيق كأداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وفق ترتيبات انتقائية، تُعرف عمليًا بمنطق “الهيمنة الانتقائية”، حيث تُدار حركة العبور عبر الامتيازات والاستثناءات لا عبر المنع الشامل.
كما أن السماح بمرور الناقلات القطرية لا يرتبط فقط بصادرات الغاز الطبيعي المسال، وإنما أيضًا بالمكانة الحيوية التي تحتلها قطر في سوق الهيليوم العالمي، حيث تصاعدت الضغوط الدولية للإبقاء على تدفق صادرات الهيليوم؛ نظرًا لاعتماد صناعات أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة عليه، خاصة في كوريا الجنوبية واليابان إلى جانب الصين. كذلك أدى اضطراب صادرات سماد اليوريا عبر المضيق إلى تفاقم المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي في عدد من الدول المستوردة، مع ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي السياق ذاته، برزت مؤشرات على وجود تفاوض بين إيران وسلطنة عمان بشأن تحصيل رسوم عبور مشتركة في المضيق، الذي تتقاسم الدولتان حدوده البحرية الممتدة لنحو 24 ميلًا، وهو ما يعزز الانطباع بوجود مسار متدرج نحو تقنين الهيمنة الإيرانية وتحويلها إلى واقع سياسي واقتصادي مستدام، مع تنامي الدور العُماني من وسيط سياسي إلى شريك وظيفي في إدارة الملاحة.
أما فيما يتعلق بباكستان، فقد أثار عبور بعض السفن نحوها حالة من الجدل داخل الولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد التشكيك في دور الجنرال عاصم منير قائد الجيش الباكستاني، الذي يقود مسار التفاوض غير المباشر بين طهران وواشنطن. ورغم هذا التشكيك، يتزايد داخل الأوساط الأمريكية الاعتقاد بأن التعامل معه بات أقرب إلى أمر واقع، باعتباره شخصية تحظى بثقة الإيرانيين، وتمتلك قدرة على إدارة قنوات التواصل بين الطرفين، وهو ما يساهم بدوره في تعميق حالة الإحباط داخل الولايات المتحدة مع استمرار ترسخ التفاهمات الإقليمية الجديدة حول المضيق، لا سيما مع إدراك واشنطن أن باكستان نفسها تواجه تداعيات اقتصادية حادة؛ نتيجة اضطراب الملاحة وإغلاق المضيق.
وقد انعكس هذا التحول في تصاعد حالة الإحباط داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل غياب أفق واضح لإنهاء الأزمة، وهو ما يمكن قراءته في تصريحات ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، التي عكست إدراكًا متزايدًا لصعوبة كسر هذا الواقع دون كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة. كما تصاعدت المخاوف داخل الولايات المتحدة مع استمرار التداعيات الاقتصادية المرتبطة بإغلاق المضيق واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وفي موازاة ذلك، برز داخل الولايات المتحدة اتجاه يدعو إلى تأمين مسار بديل للملاحة عبر المناطق القريبة من جزيرة ديديمار وشبه جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عمان، باعتباره ممرًا أكثر أمانًا، يسمح باستمرار تدفق السفن وتقليل الاعتماد على المسارات الخاضعة للنفوذ الإيراني المباشر داخل المضيق، بما يعكس تحولًا في التفكير الأمريكي من الردع المباشر إلى إدارة المخاطر عبر بدائل تشغيلية.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على تصعيد أمريكي ذا طابع عملي، تمثل في إجراءات رقابية مشددة على الملاحة البحرية في محيط المضيق، شملت عمليات اعتراض وتفتيش لعدد من السفن. وتندرج هذه الخطوات ضمن مقاربة، تقوم على تشديد الرقابة الميدانية على حركة التجارة البحرية، ومحاولة الحد من أنماط الالتفاف والأنشطة غير المصرح بها، عبر رفع مستوى التدخل العملياتي في نقاط العبور الحساسة. ورغم الطابع الجزئي والمؤقت لهذه الإجراءات، فإنها تعكس انتقالًا من إدارة الأزمة عبر الأدوات الدبلوماسية والضغط غير المباشر، إلى استخدام أدوات إنفاذ ميداني أكثر وضوحًا. إلا أن تأثيرها يبقى محدودًا في تغيير البنية العامة للسيطرة داخل المضيق، بقدر ما يساهم في رفع كلفة الملاحة وزيادة تعقيد البيئة التشغيلية دون إحداث تحول جذري في موازين النفوذ القائمة.
وفي ضوء ذلك، بدأ الجدل داخل الولايات المتحدة يتجه نحو خيارات أكثر تصعيدًا، تتراوح بين تدخل عسكري مباشر للسيطرة على جزيرة خارك والساحل الإيراني بهدف تعطيل صادرات النفط الإيرانية، وبين إعادة هيكلة مسارات تصدير النفط الخليجي عبر الاعتماد على خط الأنابيب السعودي شرق غرب، الذي رفعت المملكة العربية السعودية قدرته التصديرية إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا مع إمكانية رفعها إلى عشرة ملايين برميل، إضافة إلى الاعتماد بصورة أكبر على البحر الأحمر لتصدير الموارد الخليجية، بما يجعل أمن باب المندب جزءًا مباشرًا من أمن الطاقة العالمي، بالتوازي مع طرح سيناريو فرض حصار بحري شامل على مضيق هرمز.
وتعكس هذه الخيارات حجم الانسداد الذي تواجهه الولايات المتحدة في إدارة الأزمة، خاصة مع إدراكها للمخاطر الواسعة لأي مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة، وتزايد كلفة أي محاولة لإعادة فرض السيطرة التقليدية على الممر.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن الإمارات العربية المتحدة باتت أكثر إدراكًا لمخاطر الانزلاق نحو تصعيد عسكري جديد، وهو ما يمكن استنتاجه من تصريحات أنور قرقاش مستشار رئيس دولة الإمارات، الداعية إلى تغليب المسار الدبلوماسي في معالجة الأزمة. ويأتي ذلك بالتزامن مع اتجاه الإمارات إلى تعزيز الاعتماد على ميناء الفجيرة كمركز بديل للتصدير، رغم أن هذا المسار نفسه بات يدخل ضمن نطاق التفاهمات الإيرانية العمانية الجارية حول إدارة المضيق وحركة العبور فيه.
وفي المقابل، برز خلال مراحل التصعيد السابقة اتجاه يدعو إلى إعادة طرح ملف الجزر، التي تطالب بها أبوظبي، وهي طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى، باعتبارها إحدى أوراق التصعيد المحتملة في مواجهة إيران، خاصة مع النظر إلى هذه الجزر بوصفها أصولًا عسكرية، تستخدمها طهران لتعزيز هيمنتها على المضيق عبر الرقابة على الملاحة البحرية ودعم العمليات العسكرية والانتشار الأمني في المنطقة.
كما يمكن قراءة التحركات الإماراتية، باعتبارها مؤشرًا على احتمال السعي نحو تفاهمات ثنائية مباشرة مع إيران لضمان استمرار تصدير النفط عبر المواني الإماراتية، وهو ما يُنظر إليه على نطاق متزايد، باعتباره مساهمة إضافية في ترسيخ الهيمنة الإيرانية على المضيق ومنحها شرعية عملية عبر التفاهمات الثنائية، خاصة في ظل تصاعد الاضطراب الاقتصادي العالمي المرتبط بالأزمة.
تكشف تطورات مضيق هرمز عن تحوّل بنيوي، يتجاوز منطق الأزمات التقليدية إلى نمط جديد من إدارة الجغرافيا الاستراتيجية. فبدل أن يكون المضيق ساحة احتمالات للإغلاق أو التصعيد الحاد، يتجه تدريجيًا إلى نموذج تُدار فيه حركة الطاقة والتجارة عبر منظومة مركّبة من التنظيم الانتقائي، والتفاهمات الثنائية، وأدوات النفوذ غير المباشر.
هذا التحول يعيد تعريف مفهوم السيطرة ذاته، من الهيمنة العسكرية الصلبة إلى هيمنة وظيفية قائمة على التحكم في شروط العبور وتوزيع الامتيازات وإدارة المخاطر، بما يخلق واقعًا أكثر تعقيدًا من ثنائية “الفتح والإغلاق”. وفي المقابل، تتكيف القوى الدولية والإقليمية مع هذا الواقع عبر مزيج من الردع المحدود، وإعادة توجيه مسارات الطاقة، والبحث عن بدائل لوجستية، تقلل الاعتماد على الممر. ولكن يبقى أن تحولا ما يلوح في الأفق من شأنه أن يفتح الباب لسيطرة إيرانية بدرجة أو بأخرى على هذا الشريان الحيوي العالمي.