نور الدين اسكندر (الميادين نت)
كانت زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الصين استثنائية بكلّ المقاييس، باستثناء مقياس النتائج الفعلية التي حقّقتها. ترامب، الذي أجّل الزيارة من 29 آذار/مارس إلى 14 أيار/مايو 2026، كان يأمل بأن يدخل بيجين وتحت إبطه ملف استسلام إيران لشروطه، أي تغيير سلوكها بالإكراه، أو السيطرة عليها بعد إسقاط نظامها السياسي.
لكنّ الأمرين لم يحدثا، وكان الرجل أمام خيارين صعبين: أن يلغي الزيارة، وللأمر تبعات كثيرة في ما لو فعل، أو أن يذهب صفر اليدين من ملف إيران، وأن يأمل بأن تساعد الصين على تحقيق مخرجٍ مشرّف له هناك. اختار الخيار الثاني، ثمّ خرج أيضاً من دون نتيجةٍ تذكر.
لكن، إلى جانب هذه المضامين والظروف لزيارته، فقد شهدت الزيارة مظاهر بالغة الدلالة، تتعلّق بشكل الاستقبال، وطبيعة التصريحات ودلالاتها، والتي أفضت إلى انطباع واسع بأننا أمام تاريخٍ مفصلي عبّر عنه شكل الزيارة، ويقود إلى استنتاج أنّ قوةً إمبراطوريةً تنحدر، في مقابل صعود قوةٍ أخرى.
في التاريخ الدبلوماسي، لا تُقرأ التحوّلات الكبرى فقط في نصوص المعاهدات أو خرائط الحروب، وهذا أمر معروف ومتكرّر، لكنها تُقرأ أيضاً في تفاصيل تبدو أحياناً هامشية، منها: ترتيب المقاعد، زاوية الانحناء في المصافحة والجلوس، عدد الخطوات التي يقطعها الزعيم لاستقبال آخر، ودرجة الابتسامة على وجه نظيره، وترتيب الأعلام، واسمٌ يُعدَّل في اللحظة الأخيرة، أو صورة تُلتقط لتبقى عقوداً بوصفها بصمةً بصريةً عن انتقال القوة من إمبراطورية إلى أخرى.
لهذه الأسباب وغيرها، فإنّ أيّ قراءة لزيارة الرئيس الأميركي إلى الصين، وطريقة تعامل بيجين البروتوكولي معه، لا يمكن فصلها عن سؤال أوسع بكثير، هو: استنتاج انتقال استراتيجي للقوة والنفوذ بين قوتين عظميين متنافستين، أم اعتبارها لحظة انتقال تاريخي في بنية النظام الدولي نفسه؟
يعتمد ترامب لغة جسد هجومية نسبياً يكرّرها باستمرار، من المصافحة الضاغطة إلى الحركة السريعة والإيماءات الواسعة، والنظر المباشر الحادّ. هكذا يظهر النموذجان في مشهد بروتوكولي واحد، فتبدو المفارقة الرمزية التي تقول إنّ أميركا تحاول إثبات استمرار تفوّقها عبر الحضور الشخصي الصاخب، مقابل الصين التي توحي بأنّ قوتها لم تعد تحتاج إلى استعراض.
وفي العلاقات الدولية، يتجاوز البروتوكول وظيفته كزينةٍ شكليّة للحدث، ليكون لغةً سياديةً كاملة. وقد فهمت الصين ذلك بعمقٍ شديد، خصوصاً منذ صعود شي جين بينغ بوصفه قائداً يريد تحقيق موقعٍ مركزي للصين في العالم، واستعادة ما تسمّيه الأدبيات الصينية "المكانة الطبيعية للحضارة الصينية" بعد قرن الإذلال، الذي بدأ مع حروب الأفيون.
في هذا السياق، تتعدّى الطريقة التي استُقبل بها ترامب في بيجين حدث المجاملة إلى إعادة صياغة رمزية لهرميّة القوة العالمية.
أحد أكثر العناصر إثارةً في هذا السياق كان الجدل المتعلّق باسم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. فالصين كانت قد فرضت عليه عقوبات في سياقات سابقة مرتبطة بمواقفه من هونغ كونغ وشينجيانغ. لكن مجرّد اضطرار واشنطن للبحث عن مخرج بروتوكولي وقانوني يسمح بحضوره أو دخوله إلى الصين، عبر ترتيبات دبلوماسية معقّدة أو مقاربات تتعلّق بطريقة تسجيل الاسم أو طبيعة الصفة التمثيلية، حمل دلالة تتجاوز التقنية الإجرائية.
فقدان احتكار الهيبة والسطوة
في التاريخ الإمبراطوري، كان الطرف الأقوى دائماً هو من يفرض شروط الدخول إلى فضائه السياسي والرمزي. والآن، يبدو أنّ الولايات المتحدة لم تعد تتحرّك باعتبارها القوة التي تدخل أيّ مكان باعتبار ذلك حقاً طبيعياً نابعاً من مركزية النظام الأميركي، بل كدولة مضطرة للتفاوض حتى على الشكليّات. وهذه نقطة شديدة الأهمية في مجال الرموز السياسية. والصين تدرك تماماً أنّ الإمبراطوريات لا تسقط فجأةً فقط عبر الحروب، بل تبدأ أولاً بفقدان احتكار الهيبة.
ولذلك، فإنّ تحليل الاستقبال الصيني لأيّ رئيس أميركي ينبغي أن يُقرأ ضمن بنية أعمق من مجرّد العلاقات الثنائية. فبكين منذ سنوات تعيد إحياء مفاهيم التراتبية الحضارية الآسيوية، حيث لا تكون دولة قومية فقط، بل المركز الذي تدور حوله الأطراف. وهذه الفكرة موجودة بعمق في التراث الإمبراطوري الصيني القديم، حين كانت الوفود الأجنبية تؤدّي طقوس "الكوتاو" أمام الإمبراطور.
وبطبيعة الحال، لا تستطيع الصين الحديثة إعادة إنتاج ذلك حرفياً، لكنها تعيد إنتاجه رمزياً بطرق معاصرة من خلال التحكّم بالمشهد البصري، من البروتوكول إلى المسافات وإيقاع السير، وترتيب الصورة الدولية. هكذا تغدو لغة الجسد بين ترامب وشي جين بينغ مادة تحليلية بحدّ ذاتها.
بدت اللقاءات بين الرجلين أحياناً كأنها مواجهة بين زمنين: الأول هو زمن القوة الأميركية السريعة، فيما الثاني هو زمن الصعود الصيني البطيء والمتراكم.
ترامب يمثّل، في جزء من شخصيته السياسية، أميركا التي لا تزال تتحدّث بلغة الهيمنة الأحادية، وقد زاد إليها إضافته الخاصة التي تطرح الصفقات كعنوان مكشوف للسياسة الخارجية من دون تجميل قيمي أو ثقافي، واستعاض عن أدوات الإكراه الناعمة ظاهراً بالضغط المباشر والعقوبات، واستعراض القوة الشخصية.
لكنه، في بيجين، كان يواجه قيادة صينية مختلفة جذرياً في بنيتها النفسية والحضارية. فنظيره الصيني لا يتصرّف كزعيم شعبوي يريد الانتصار اللحظي، بل كقائد حضاري طويل النفس، يعتقد أنّ الزمن يعمل لصالحه.
ولهذا السبب، بدت اللقاءات بين الرجلين أحياناً كأنها مواجهة بين زمنين: الأول هو زمن القوة الأميركية السريعة، فيما الثاني هو زمن الصعود الصيني البطيء والمتراكم.
وفي تحليل لغة الجسد، لاحظ كثير من المتخصصين أنّ شي جين بينغ يتجنّب غالباً المبالغة الانفعالية. جلسته مستقرة، وحركته بطيئة ومدروسة، في حين تبقى ابتسامته مقتضبة ونظراته ثابتة. وهذه السمات الشخصية جزء من ثقافة سياسية كونفوشيوسية تعتبر أنّ السيطرة على الانفعال تعبير عن السيطرة على القوة نفسها.
وبالمقارنة، يعتمد ترامب لغة جسد هجومية نسبياً يكرّرها باستمرار، من المصافحة الضاغطة إلى الحركة السريعة والإيماءات الواسعة، والنظر المباشر الحادّ. هكذا يظهر النموذجان في مشهد بروتوكولي واحد، فتبدو المفارقة الرمزية التي تقول إنّ أميركا تحاول إثبات استمرار تفوّقها عبر الحضور الشخصي الصاخب، مقابل الصين التي توحي بأنّ قوتها لم تعد تحتاج إلى استعراض. وهنا تحديداً يمكن فهم استدعاء شي جين بينغ لمفهوم "فخ ثيوسيديدس".
في تحليل لغة الجسد، لاحظ كثير من المتخصصين أنّ شي جين بينغ يتجنّب غالباً المبالغة الانفعالية. جلسته مستقرة، وحركته بطيئة ومدروسة، في حين تبقى ابتسامته مقتضبة ونظراته ثابتة. هذه السمات الشخصية جزء من ثقافة سياسية كونفوشيوسية تعتبر أنّ السيطرة على الانفعال تعبير عن السيطرة على القوة نفسها.
وثيوسيديدس استخدم في كتابه عن الحرب البيلوبونيسية فكرة أنّ صعود أثينا وخوف إسبرطة من هذا الصعود جعلا الحرب شبه حتمية. وفي العصر الحديث، أعاد الباحث الأميركي، غراهام أليسون، إحياء المصطلح لوصف احتمال الصدام بين الولايات المتحدة والصين. لكنّ استخدام الرئيس الصيني لهذا المفهوم ليس بريئاً أو أكاديمياً فقط، بل يُستشفّ منه محاولة لإرسال رسالتين في آن واحد. تقول الأولى إنّ الصين ترى نفسها فعلاً قوة صاعدة بحجم أثينا؛ فيما تشير الثانية إلى أنّ الولايات المتحدة باتت تُرى بوصفها القوة القلقة من فقدان الهيمنة، أي إسبرطة الجديدة. وهذا، بحدّ ذاته، تحديد للوضعية الاستراتيجية لكلّ واحدةٍ من القوتين.
صور متكرّرة من مكتبة التاريخ
لقد شهد التاريخ صوراً دراماتيكية انتقلت فيها القوة الكبرى، وكانت دائماً تُترجم إلى تغيّرات بروتوكولية حادّة. فبعد معركة أوسترليتز عام 1805، التي تُعدّ من أعظم انتصارات نابليون بونابارت، التقى الإمبراطور الفرنسي مع الملك فرنسيس الثاني، حيث كان اللقاء إعلاناً بأنّ فرنسا النابليونية أصبحت المركز العسكري والسياسي للقارة الأوروبية.
تصف مذكّرات تلك المرحلة كيف بدا فرنسيس الثاني مضطراً للقبول بشروط فرضها المنتصر. وقد كانت المساواة الشكلية بين الملوك في البروتوكول الإمبراطوري الأوروبي مسألةً مقدّسة تقريباً. لكنّ أوسترليتز كسرت ذلك التوازن. فلم يعد الإمبراطور المهزوم يقف فعلاً على المستوى نفسه مع المنتصر، حتى لو حافظت اللغة الرسمية على بعض المظاهر.
ثم جاءت محطة أخرى في دريسدن عام 1812، حين جمع نابليون ملوك أوروبا وأمراءها قبل حملته على روسيا. كان المشهد أشبه بمسرح إمبراطوري كامل، حيث ينظر ملوك أوروبا إلى الإمبراطور الفرنسي، ويتصرّف قادة أوروبا ضمن فضاء سياسي صنعه رجل واحد. في صورةٍ تعبّر عن عرض قوةٍ مرسومٍ بعناية.
لم تكن هذه المشاهد بعيدة عن الطريقة التي تحاول الصين بها اليوم إدارة المشهد الدبلوماسي العالمي. فأنْ تستقبل بيجين قادة العالم ضمن طقوس محسوبة بدقة، يعني أنها تنتج صورة عن مركزية الصين الجديدة في النظام الدولي.
ويمكن قراءة الأمر نفسه في مثال وليام "الأسد"، ملك اسكتلندا، الذي أُسر عام 1174 بعد هزيمته أمام الإنكليز. حيث تمتع الملك في النظام الإقطاعي الوسيط بهالة شبه مقدّسة. لكن لحظة الأسر تحطّمت تلك الهالة فوراً. فلم يعد ملكاً مساوياً للآخرين، بل تابعاً وخاضعاً. التاريخ السياسي مليء بهذه اللحظات التي يتحوّل فيها الفرق العسكري إلى فرق رمزي، وإلى انطباع نفسي دائم.
في التاريخ الإمبراطوري، كان الطرف الأقوى دائماً هو من يفرض شروط الدخول إلى فضائه السياسي والرمزي. والآن، يبدو أنّ الولايات المتحدة لم تعد تتحرّك باعتبارها القوة التي تدخل أيّ مكان باعتبار ذلك حقاً طبيعياً نابعاً من مركزية النظام الأميركي، بل كدولة مضطرة للتفاوض حتى على الشكليات. وهذه نقطة شديدة الأهمية في مجال الرموز السياسية. والصين تدرك تماماً أنّ الإمبراطوريات لا تسقط فجأةً فقط عبر الحروب، بل تبدأ أولاً بفقدان احتكار الهيبة.
ومن أكثر الصور شهرةً في هذا السياق صورة الإمبراطور الياباني هيروهيتو مع الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر عام 1945. حيث شكّلت الصورة بحدّ ذاتها عملية إعادة هندسة للنظام الآسيوي بعد الحرب العالمية الثانية. وفيها، يقف ماك آرثر طويلاً بثقة المنتصر، بملابس عسكرية بسيطة نسبياً، لكن مفعمة بالسلطة، فيما يبدو هيروهيتو صغيراً ومتوتراً ببدلته الرسمية. يومها صُدم اليابانيون بالصورة، لأنّ الإمبراطور، الذي كان يُنظر إليه كشبه إله، ظهر فيها كحاكم مهزوم أمام قائد أجنبي.
وبطبيعة الحال، لم تكن الصورة وليدة صدفة. فالأميركيون فهموا جيداً أنّ السيطرة على المخيّلة الجماعية لا تقلّ أهمية عن السيطرة العسكرية. وهذا بالتحديد ما تفعله الصين اليوم، ولكن بالعكس. إنها تحاول إنتاج صور توحي بأنّ المركزية الغربية لم تعد مطلقة.
في العقود الماضية، كان وصول رئيس أميركي إلى أيّ عاصمة كبرى يُعامل غالباً بوصفه وصول ممثّل القوة التي تقود النظام الدولي بلا منازع. أما اليوم، فالصين تحاول كسر هذه النفسية بالكامل. لا استقبال يوحي بالخضوع، ولا مبالغة عاطفية، أو أيّ مظهر من مظاهر الاعتراف الضمني بالتفوّق الأميركي، بل إدارة باردة ومدروسة لمشهد واحد يراد له أن يوصل صورة العالم متعدّد الأقطاب. وحتى في اختيار المفردات، تبدو بيجين شديدة الدقة. الخطاب الصيني يتحدّث باستمرار عن العالم متعدّد الأقطاب، والمصير المشترك للبشرية، وإصلاح النظام الدولي. وهي لغة تهدف إلى نزع الشرعية الرمزية عن الأحادية.
لكنّ الأهم أنّ الصين تحاول إظهار نفسها كقوة صاعدة من دون التورط المباشر في صورة الإمبراطورية العدوانية التقليدية. فهي تدرك أنّ جزءاً كبيراً من العالم، خصوصاً في الجنوب العالمي، مستعد لتقبّل صعود صيني يضعف الهيمنة الغربية، لكنه ليس مستعداً بالضرورة لاستبدال هيمنة بأخرى. لذلك، تعتمد بيجين استراتيجية مزدوجة، لإظهار القوة من دون استعراضها بطريقة فجّة.
صورة القوة غير المبالغ فيها
أخرجت هذه الزيارة مشهداً يشير بوضوح إلى المأزق الأميركي العميق. فالإمبراطوريات المعتادة على قيادة العالم تجد صعوبة هائلة في التكيّف مع فكرة التراجع النسبي. تاريخياً، غالباً ما تدخل القوى المهيمنة في مرحلة إنكار قبل الاعتراف بتحوّل ميزان القوى.
هكذا احتاجت بريطانيا عقوداً للاعتراف بصعود الولايات المتحدة. والإمبراطورية الإسبانية احتاجت زمناً طويلاً لفهم أنّ عصرها انتهى. وفرنسا ما بعد نابليون بقيت تحاول استعادة المجد القاري رغم التحوّلات البنيوية.
واليوم، يبدو جزء من التوتر الأميركي تجاه الصين نابعاً من هذا البعد النفسي نفسه، الذي يلفّه الخوف من التحوّل من المركز الوحيد إلى قوة كبرى بين قوى أخرى.
في العلاقات الدولية، يتجاوز البروتوكول وظيفته كزينةٍ شكليّة للحدث، ليكون لغةً سياديةً كاملة. وقد فهمت الصين ذلك بعمقٍ شديد، خصوصاً منذ صعود شي جين بينغ بوصفه قائداً يريد تحقيق موقعٍ مركزي للصين في العالم، واستعادة ما تسمّيه الأدبيات الصينية "المكانة الطبيعية للحضارة الصينية" بعد قرن الإذلال، الذي بدأ مع حروب الأفيون.
إنّ التاريخ الدبلوماسي هو الذي يعلّمنا أنّ المشهد البروتوكولي مرآة تنعكس عليها توازنات القوة. وهي توازنات تختصر أحياناً بصورة واحدة، أو مصافحة باردة، أو بتحوّلاتٍ قد تحتاج إلى الحروب والعقود كي تترجم نفسها بالكامل. ولهذا تحديداً، تبدو اللقاءات الأميركية الصينية اليوم شبيهةً بلحظات تاريخية وقف فيها العالم بين إمبراطوريتين: واحدة لا تزال تملك قوة هائلة، لكنها خائفة، وأخرى تتحرّك صعوداً بثقةٍ وتمكّن.