مودّة اسكندر (The Cradle عربي)
ألقت الحرب بظلالها على اقتصادات الخليج، كاشفة حدود الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية كنموذج للاستقرار. دفعت هذه الدول ثمن استضافة القواعد الأمريكية على أراضيها بدل أن تحصل على الحماية منها، وهو ما دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها من خلال التوجه إلى "أمننة" الاقتصاد عبر تعزيز الدفاع وتوطين الصناعات وتنويع الممرات التجارية.
برزت هذا التداعيات في الإمارات التي نالت النصيب الأكبر من الضربات الإيرانية، ردًا على انخراطها المعلن في العدوان. مع تصاعد الحرب وما رافقها من اهتزازات أمنية واقتصادية حادة في دول الخليج، لم تقتصر التداعيات على المؤشرات المالية وحركة التجارة فحسب، بل امتدت إلى إعادة تشكيل معادلة الأمن والاقتصاد، بعدما كشفت الحرب هشاشة النموذج الاقتصادي الذي بُنيت عليه دبي وأبوظبي خلال العقدين الماضيين: الاستقرار، السياحة، المال، والخدمات العالمية.
انهيار نموذج الرفاهية
ظهرت الصدمة الأولى في قطاع السياحة والرفاهية، وهو أحد أعمدة اقتصاد دبي. كشفت تقديرات وكالة موديز، انهياراً حاداً في حركة السياح الدوليين، مع تراجع إشغال بعض الفنادق بنحو 90%، وانخفاض حركة المسافرين عبر مطارات دبي بـ66% خلال شهر واحد، وخسارة نحو 2.5 مليون مسافر الربع الأول مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وهو ما اضطر الفنادق إلى تخفيض أسعارها بصورة غير مسبوقة، نتيجة انكماش الطلب وهروب الإنفاق الفاخر.
ومع تصاعد الحرب، تلقى الاقتصاد غير النفطي ضربة مباشرة. فهبط مؤشر مديري المشتريات في الإمارات إلى أدنى مستوياته خلال أكثر من خمس سنوات، بينما سجلت طلبات التصدير الخارجية أكبر تراجع منذ 2009 باستثناء فترة كورونا. ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، ما دفع الشركات إلى رفع الأسعار بأسرع وتيرة منذ 2011، وسط تباطؤ المبيعات وتراجع إنفاق المستهلكين.
القلق الأكبر أصاب صورة الإمارات كملاذ آمن لرؤوس الأموال. فدبي التي جذبت مئات آلاف الأثرياء والمستثمرين بسبب غياب الضرائب والانفتاح المالي، بدأت تشهد موجة نزوح مع تصاعد المخاطر الأمنية. تحدثت التقارير عن ارتفاع طلبات البحث عن إقامات بديلة بأكثر من 40%، بينما بدأت مدن مثل ميلانو وسنغافورة وإسطنبول في استقطاب جزء من الثروات التي كانت متمركزة في دبي. يعد هذا تحول خطيرًا لاقتصاد يعتمد أساساً على التدفقات المالية والعقار والخدمات.
ضربات تهزّ عصب الاقتصاد
هدد الحرب هددت أهم أعصاب الاقتصاد الإماراتي: قطاع الطيران والخدمات اللوجستية. دبي التي تطمح لأن تكون عقدة جوية عالمية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، يعتمد جزء هائل من اقتصادها على بقاء هذا التدفق مفتوحاً وآمناً، وهو ما تضرر بفعل إغلاق الأجواء وتعطل الرحلات وارتفاع المخاطر الأمنية. وقدّرت تقارير اقتصادية أن الخسائر بلغت 500 مليون جنيه إسترليني يومياً للاقتصاد المرتبط بحركة السفر والتجارة والخدمات.
من ضمن التداعيات الخطيرة للحرب أيضاً، تأثر البنية اللوجستية والتجارية للإمارات بسبب تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز المسال عالمياً، إضافة إلى ما يقارب 2.4% من التجارة العالمية غير النفطية. فالاتفاقيات التي وقعتها "موانئ أبوظبي" مع شركة “بروج" لتطوير بوابات تصدير بديلة عبر الفجيرة وخورفكان، وإعادة توجيه الشحنات وتشغيل نحو 800 شاحنة يومياً، وتفعيل مسارات عبر "قطارات الاتحاد"، كلها خطوات تؤكد أن الإمارات باتت مضطرة إلى إنفاق مليارات إضافية لإعادة تأمين تدفق البضائع والنفط بعيداً عن الممرات المهددة. وهذا يعني ارتفاع كلفة النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، وتآكل جزء من الميزة التي بنت عليها الإمارات مكانتها كمركز تجاري عالمي سريع وآمن.
هروب المستثمرين
الحرب لم تضرب فقط حركة المال، بل بدأت تهزّ الثقة بالمركز المالي الإماراتي نفسه، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب اقتصاداً قائماً على التدفقات الأجنبية. خلال ذروة التصعيد في ربيع 2026، تحدثت تقارير مالية عن قيام مؤسسات دولية بإعادة تقييم وجودها في دبي وأبوظبي، مع نقل جزء من الأصول والسيولة إلى مراكز أكثر أماناً مثل سنغافورة وزيورخ. بنوك عالمية مثل "سيتي غروب" و"ستاندرد تشارترد" فعّلت خطط طوارئ وأجلت بعض الموظفين مؤقتاً بعد تصاعد المخاطر الأمنية. بالتوازي، شددت الإمارات الرقابة على شبكات التحويل المالي المرتبطة بإيران، وجمّدت أصولاً وحسابات خاضعة للعقوبات الأمريكية، ما أثار قلق جزء من المستثمرين. هذا التحول أصاب أحد أهم أسس النموذج الإماراتي: الثقة المطلقة بحرية حركة الأموال.
حتى الأسواق المالية الإماراتية لم تكن معزولة عن الصدمة. البورصات الخليجية شهدت موجات تذبذب حادة مع كل تصعيد عسكري، فيما فضّل جزء من المستثمرين الأجانب الخروج المؤقت من الأسواق الناشئة والاتجاه نحو الدولار والذهب والسندات الأمريكية. ورغم أن الصناديق السيادية الإماراتية تمتلك قدرة ضخمة على التدخل وامتصاص التقلبات، فإن استمرار التوتر يضعف جاذبية الاستثمار.
إعادة تموضع اقتصادي ونفطي
سياسياً واستراتيجياً، دفعت الحرب الإمارات إلى إعادة تموضع اقتصادي أوسع. أبوظبي تحاول اليوم تنويع شراكاتها التجارية والجيوسياسية بصورة أسرع، من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا، لتقليل اعتمادها على بيئة خليجية باتت أكثر اضطراباً. كما أن المنافسة مع السعودية على جذب الشركات العالمية والاستثمارات والسياحة أصبحت أكثر حدة، في وقت تحاول فيه كل دولة إثبات أنها المركز الأكثر استقراراً وقدرة على جذب الأعمال.
يعد الانسحاب الإماراتي من تحالف أوبك بلس النفطي، إحدى تداعيات الحرب أيضًا، والتي عمّقت التوترات بين الإمارات والسعودية. فالإمارات التي استثمرت عشرات المليارات لرفع قدرتها الإنتاجية إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، ترى أن القيود التي تفرضها أوبك تحدّ من قدرتها على تعظيم الإيرادات في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
الحرب كشفت أيضاً التناقض العميق داخل النموذج الإماراتي نفسه. فالإمارات نجحت لعقود في بيع صورة الاستقرار، لكن هذا النموذج يصبح شديد الحساسية عندما تنتقل الفوضى إلى الخليج مباشرة. ولهذا لجأت الدولة إلى سياسة مزدوجة: التخفيف الإعلامي من حجم الأضرار من جهة، والاستمرار في إطلاق مشاريع ضخمة في النقل والطاقة والصناعة والسياحة من جهة أخرى، بهدف إرسال رسالة بأن الاقتصاد ما يزال قادراً على الاستمرار رغم الحرب.
ورغم هذه الضغوط، لم تدخل الإمارات مرحلة الانهيار، بفعل استخدام فوائضها النفطية وأصولها السيادية الضخمة لامتصاص الصدمة. ولهذا أبقت وكالة "فيتش" التصنيف الائتماني للإمارات عند “AA-” مع نظرة مستقرة، مستندة إلى قوة الأصول الخارجية وارتفاع الإيرادات النفطية، لكنها توقعت انكماش اقتصاد دبي بنحو 7%.
تحولات سياسية
دفعت الحرب على إيران الإمارات إلى تعميق انخراطها في المحور الأميركي–الإسرائيلي، وهو ما ظهر في انخراطها المباشر في العدوان على إيران وتصاعد الاستهداف الإيراني للمصالح الإماراتية. كما أسهمت الحرب في تفكيك التماسك الخليجي التقليدي، مع اصطفاف الإمارات والبحرين في خط أكثر تشدداً، مقابل بروز محور إقليمي جديد يضم السعودية وتركيا وقطر وباكستان، يدفع باتجاه البحث عن إعادة تعريف الأمن في المنطقة. ومع تنامي التقارب السعودي–الباكستاني، استخدمت أبوظبي أدوات ضغط اقتصادية ضد إسلام آباد عبر المطالبة بالديون والودائع، بالتوازي مع تقارب أكبر مع الهند في مجالات الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية، ما كشف تشكل محور مقابل تقوده الإمارات والهند وإسرائيل بدعم أميركي. وهكذا دفعت الحرب السياسة الخارجية الإماراتية نحو اصطفافات إقليمية أكثر حدة قائمة على إعادة تشكيل التحالفات وموازين النفوذ في المنطقة، مثلما ظهر في موقف الأخيرة من تطبيع أرض الصومال.
الإمارات في المعسكر الإسرائيلي
تكشف البيانات والتقارير الأمنية المتداولة أن الإمارات كانت من أكثر دول الخليج تعرضاً لضربات خلال موجة التصعيد الأخيرة، إذ استحوذت على النسبة الأكبر من الهجمات مقارنة ببقية الدول، حيث بلغت حصتها نحو 42.8% من إجمالي الضربات المسجلة. وتُقرأ هذه المؤشرات في سياق أوسع من إعادة تموضع الإمارات داخل معادلات الأمن الإقليمي، حيث يتقاطع البعد العسكري مع اصطفافات سياسية وأمنية متسارعة في المنطقة، ما جعلها أكثر انكشافاً أمام تداعيات المواجهة مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى. فالوقائع أثبتت عن مستوى متقدم من التنسيق الأمني والسياسي بين الإمارات وإسرائيل خلال الحرب على إيران، حيث كشفت عن زيارات متكررة لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى إلى أبوظبي، بينهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان ورئيس جهاز "الموساد"، إلى جانب وفود أمنية سبقت التصعيد العسكري، واجتماعات مباشرة مع مسؤولين إماراتيين.
وفي السياق نفسه، تحدثت التقارير عن نشر بطاريات دفاعية إسرائيلية من نوع "القبة الحديدية" داخل الإمارات بموافقة وتنسيق مباشر، وهو ما اعتُبر مؤشراً على انتقال التعاون من مستوى الشراكة الأمنية إلى مظلة ردع مشتركة. كما ربطت مصادر إعلامية هذا التصعيد بعمليات نُسبت إلى أطراف مرتبطة بالإمارات ضد أهداف داخل إيران، بينها منشآت نفطية، في إطار ردود متبادلة على استهدافات إيرانية للبنية التحتية والمصالح الحيوية الإماراتية.
اختلال البنية الداخلية
أما على المستوى الداخلي، فقد كفت الحرب عن هشاشةٍ متزايدة داخل البنية الاتحادية للإمارات، حيث يتقاطع تركز القرار في أبوظبي مع تباينات كامنة بين الإمارات الأخرى، خصوصاً دبي والشارقة، حول طبيعة الدور السياسي والاقتصادي للدولة وحدود الانخراط الخارجي. هذا التمركز يعمّق حساسية التوازنات الداخلية، في ظل اقتصاد يعتمد على نموذج دبي القائم على الانفتاح والتجارة، مقابل مسار أكثر صلابة وأمننة في أبوظبي مرتبط بإدارة الصراعات الإقليمية. ومع توسع التورط الخارجي وتكلفة التموضع الجيوسياسي، تتزايد المخاوف من انعكاسات ارتدادية داخلية تشمل ضغطاً على التماسك الاتحادي، بما يجعل الاستقرار الداخلي أكثر ارتباطاً بتقلبات الإقليم وأقل قدرة على العزل عنها.
في هذا الإطار، تشير تقارير إلى أن هذا النمط لا يقتصر على إدارة الداخل، بل يمتد عبر أدوات قانونية خارج الحدود. فقد توسّع استخدام قوائم الإرهاب الإماراتية ليشمل 11 فرداً و8 كيانات في قرار عام 2025، بينهم معارضون في المنفى وأفراد من عائلاتهم وشركات مسجلة في الخارج، من دون تهم جنائية واضحة أو رقابة قضائية مستقلة. ويستند ذلك إلى المادة 63 من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014، إضافة إلى قرارات تنفيذية مثل قرار مجلس الوزراء رقم 74 لعام 2020 الذي يتيح الإدراج دون إخطار مسبق أو ضمانات طعن فعّالة، مع تسجيل حالات سابقة عام 2021 شملت 38 فرداً و15 كياناً، ما يعكس نمطاً تصاعدياً في الاستهداف. وبالتوازي، وثّقت تقارير ميدانية عمليات ترحيل طالت نحو 15 ألف عامل باكستاني خلال فترة قصيرة، بينهم نسبة من أبناء الطائفة الشيعية، جرت عبر توقيفات مفاجئة من أماكن العمل دون مسارات قضائية شفافة، ما أدى إلى فقدانهم وظائفهم ومدخراتهم بالكامل.
وعلى المستوى الداخلي خلال فترة التصعيد مع إيران، تشير المعطيات إلى تشديد غير مسبوق في القيود على المجالين الرقمي والعام، شمل تحذيرات من النيابة العامة بشأن تداول محتوى الهجمات، واعتقال أكثر من 100 شخص بتهم تتعلق بالتصوير أو نشر "معلومات غير دقيقة"، إلى جانب فرض موافقات مسبقة على صناع المحتوى وحجب حسابات على منصات التواصل، في وقت تحدثت فيه مصادر عن قوائم رقابة رقمية واستهداف لحسابات داخل وخارج الدولة. كما تزامن ذلك مع إعلان تفكيك شبكات قالت السلطات إنها مرتبطة بإيران وحزب الله وتستهدف "الاستقرار المالي"، ما عكس هشاشة البنية الأمنية في البلاد.
الإمارات اليوم لا تواجه مجرد أزمة عابرة، بل اختباراً استراتيجياً لقدرتها على حماية مكانتها كمركز عالمي للمال والتجارة والسياحة في منطقة أصبحت أكثر اضطراباً من أي وقت مضى. وفي ظل بروز محاور إقليمية متقابلة وإعادة تشكل خرائط النفوذ في المنطقة، تبدو الإمارات أمام مرحلة دقيقة تتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الدولية، وتوازناً حساساً بين متطلبات الأمن ومقتضيات الاقتصاد، في بيئة لا تزال مفتوحة على مزيد من التحولات وعدم اليقين.