د. سلطان مشعل (المركز الديمقراطي العربي)
تتناول هذه الدراسة التحولات التي شهدتها العلاقات التركية–الروسية منذ نهاية الحرب الباردة وحتى عام 2025م، مع التركيز على انتقالها من نمط الصراع التاريخي والتنافس الجيوسياسي إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على البراغماتية السياسية وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية.
وتبحث الدراسة في كيفية تمكن أنقرة وموسكو من بناء علاقة مرنة تجمع بين التعاون والتنافس في آن واحد، رغم التناقضات البنيوية والخلافات الحادة في ملفات إقليمية عديدة مثل سوريا وليبيا والقوقاز وأوكرانيا.
كما تحلل الدراسة انعكاسات هذه العلاقة على توازنات النظام الدولي في ظل التحول التدريجي نحو التعددية القطبية، إضافة إلى تأثيراتها على المنطقة العربية، خصوصًا في ملفات الطاقة والأمن والتحالفات الإقليمية.
وتخلص الدراسة إلى أن العلاقات التركية–الروسية أصبحت نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بـ “الشراكات البراغماتية”، وهي شراكات لا تقوم على التحالفات العقائدية أو الاصطفافات الجامدة، بل على إدارة المصالح والتنافس ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل.
المقدمة
شهد النظام الدولي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحولات عميقة أعادت تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، وأضعفت تدريجيًا منطق الاستقطاب الصلب الذي حكم مرحلة الحرب الباردة. وفي ظل هذا التحول، برزت العلاقات التركية–الروسية بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا وثراءً من الناحية الجيوسياسية، نظرًا لما تحمله من تداخل بين الصراع التاريخي والتعاون البراغماتي.
فالعلاقة بين أنقرة وموسكو ليست علاقة تحالف تقليدي مستقر، كما أنها لم تعد علاقة عداء وجودي كما كانت خلال القرون الماضية، بل أصبحت صيغة هجينة تجمع بين التنافس والتنسيق، وبين التصادم والتفاهم، وفق معادلة تقوم على إدارة المصالح بدل حسم الصراعات.
وقد ازدادت أهمية هذه العلاقة مع صعود فلاديمير بوتين في روسيا ورجب طيب أردوغان في تركيا، حيث تبنت الدولتان سياسات أكثر استقلالية عن الهيمنة الغربية، وسعتا إلى توسيع هامش الحركة الاستراتيجية في بيئة دولية تتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تبحث فقط في طبيعة العلاقات التركية–الروسية، وإنما تحاول أيضًا تحليل انعكاسات هذه العلاقة على مستقبل التوازنات الدولية والإقليمية، خاصة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، التي أصبحت إحدى أبرز ساحات التفاعل بين أنقرة وموسكو.
وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن العلاقات التركية–الروسية تمثل نموذجًا متقدمًا للعلاقات الدولية البراغماتية في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية، وأن تأثيراتها لم تعد محصورة في المجال الثنائي، بل امتدت لتؤثر في بنية النظام الدولي وفي خرائط النفوذ داخل المنطقة العربية.
أولًا: الجذور التاريخية للصراع التركي–الروسي
تعود جذور العلاقات التركية–الروسية إلى قرون طويلة من الصراع الجيوسياسي بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا القيصرية، حيث تنافس الطرفان على النفوذ في البحر الأسود والبلقان والقوقاز والأناضول.
وقد خاض الطرفان سلسلة طويلة من الحروب منذ القرن السادس عشر، كان معظمها يميل لصالح روسيا مع التراجع التدريجي للقوة العثمانية.
ولم يكن الصراع مجرد تنافس جغرافي، بل حمل أبعادًا حضارية ودينية واستراتيجية؛ إذ رأت روسيا نفسها حامية للأرثوذكس في مواجهة الدولة العثمانية الإسلامية، بينما اعتبرت إسطنبول التوسع الروسي تهديدًا مباشرًا لبنيتها الإمبراطورية.
ومع معاهدة كوتشوك كاينارجي عام 1774م، بدأت روسيا تفرض حضورها السياسي داخل المجال العثماني، وهو ما شكل نقطة تحول مفصلية في ميزان القوى الإقليمي.
وخلال الحرب الباردة، عادت العلاقات إلى حالة العداء الحاد بعد انضمام تركيا إلى حلف الناتو عام 1952م، لتتحول إلى رأس حربة غربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
لكن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م فتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين، على أسس أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية.
ثانيًا: التحول نحو البراغماتية بعد عام 2000م
شكلت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين نقطة تحول كبرى في العلاقات التركية–الروسية، خاصة مع وصول بوتين وأردوغان إلى السلطة، حيث تبنى الطرفان رؤية تقوم على تقليل الاعتماد على الغرب، وتعزيز المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة.
وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التحول:
1. صعود النزعة الاستقلالية
سعت موسكو إلى استعادة دورها كقوة دولية كبرى بعد مرحلة الانهيار السوفيتي، بينما حاولت تركيا بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية عن التوجهات الغربية التقليدية.
هذا التقاطع خلق أرضية مناسبة للتقارب بين الطرفين.
2. المصالح الاقتصادية والطاقة
أصبحت الطاقة المحرك الأساسي للعلاقة، خاصة مع مشاريع:
– “بلو ستريم”
– “تورك ستريم”
– محطة “أكويو” النووية
وقد تحولت تركيا إلى ممر استراتيجي للغاز الروسي نحو أوروبا، بينما أصبحت روسيا المورد الأهم للطاقة بالنسبة لأنقرة.
التبادل التجاري والسياحي
شهدت العلاقات الاقتصادية نموًا كبيرًا، وارتفع حجم التبادل التجاري إلى عشرات المليارات من الدولارات، فيما أصبحت السياحة الروسية أحد الأعمدة المهمة للاقتصاد التركي.
إدارة الخلافات بدل تفجيرها
أحد أهم التحولات في العلاقة تمثل في قدرة الطرفين على الفصل النسبي بين ملفات التعاون وملفات الصراع، بحيث لا تؤدي الخلافات السياسية إلى انهيار شامل للعلاقة.
ثالثًا: العلاقات التركية–الروسية والأزمات الإقليمية
رغم توسع التعاون بين أنقرة وموسكو، فإن العلاقة بقيت محكومة بتنافس جيوسياسي واضح في عدة مناطق.
سوريا: من الصدام إلى إدارة التوازن
مثلت الأزمة السورية أكبر اختبار للعلاقات التركية–الروسية.
فتركيا دعمت المعارضة السورية، بينما دعمت روسيا النظام السوري عسكريًا وسياسيًا.
ووصل التوتر ذروته بعد إسقاط تركيا طائرة روسية عام 2015م، ما كاد يدفع الطرفين إلى مواجهة خطيرة.
لكن إدراك الطرفين لحجم المصالح المشتركة دفعهما لاحقًا إلى إعادة بناء العلاقة عبر “مسار أستانة”، الذي تحول إلى نموذج لإدارة الصراع بدل حسمه.
وقد أدى هذا التنسيق إلى إعادة تشكيل جزء كبير من موازين القوى في سوريا، وتقليص قدرة القوى الغربية على احتكار إدارة الملف السوري.
ليبيا: تنافس مضبوط
في ليبيا، دعمت تركيا حكومة الوفاق في طرابلس، بينما دعمت روسيا قوات حفتر بصورة غير مباشرة.
لكن الطرفين حرصا على إبقاء التنافس ضمن حدود قابلة للإدارة، بما يعكس طبيعة العلاقة البراغماتية بينهما.
القوقاز وآسيا الوسطى
أظهرت حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020م حجم التنافس التركي–الروسي في جنوب القوقاز، حيث دعمت تركيا أذربيجان بقوة، بينما حافظت روسيا على دورها التقليدي في أرمينيا.
ومع ذلك، تمكن الطرفان من تجنب الانزلاق إلى صدام مباشر، وفضّلا إدارة النفوذ عبر التفاهمات المرحلية.
الحرب الأوكرانية
الحرب الروسية–الأوكرانية كشفت بوضوح طبيعة السياسة التركية القائمة على “التوازن المرن”.
فأنقرة:
– دعمت أوكرانيا بالمسيرات العسكرية،
– رفضت ضم القرم،
– لكنها في المقابل امتنعت عن الانضمام للعقوبات الغربية على روسيا.
كما لعبت دور الوسيط في اتفاق الحبوب، وهو ما عزز مكانتها الدولية.
رابعًا: انعكاسات العلاقات التركية–الروسية على النظام الدولي
تعكس العلاقات التركية–الروسية تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، خاصة مع تراجع الأحادية القطبية وصعود أنماط أكثر مرونة من الشراكات الدولية.
1. تراجع منطق التحالفات الصلبة
تكشف العلاقة بين أنقرة وموسكو أن الدول باتت أكثر قدرة على الجمع بين التعاون والتنافس دون الحاجة إلى اصطفافات أيديولوجية حادة.
2. صعود البراغماتية الجيوسياسية
العلاقة التركية–الروسية تمثل نموذجًا متقدمًا للبراغماتية الدولية، حيث تُدار العلاقات وفق المصالح لا وفق الهويات السياسية الجامدة.
3. إضعاف الاحتكار الغربي
أسهم التنسيق التركي–الروسي في بعض الملفات، خاصة سوريا والطاقة، في تقليص قدرة الولايات المتحدة والغرب على احتكار إدارة الأزمات الإقليمية.
4. تعزيز التعددية القطبية
تساعد هذه العلاقة في ترسيخ بنية دولية أكثر تعددية، تقوم على تعدد مراكز القوة الإقليمية والدولية.
خامسًا: انعكاسات العلاقات التركية–الروسية على المنطقة العربية
أصبحت المنطقة العربية إحدى أهم ساحات التفاعل التركي–الروسي، سواء في ملفات الصراع أو في قضايا الطاقة والتحالفات الإقليمية.
إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
ساهم التقارب التركي–الروسي في إعادة توزيع النفوذ داخل الشرق الأوسط، خصوصًا بعد التراجع النسبي للدور الأمريكي في بعض الملفات.
التأثير على الأزمة السورية
أصبح المسار التركي–الروسي أحد المحددات الأساسية لمستقبل سوريا، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو العسكري.
انعكاسات اقتصادية وطاقوية
مشاريع الطاقة الروسية–التركية أعادت رسم جزء من خرائط الطاقة في المنطقة، وفتحت الباب أمام تحولات في ممرات الغاز والتجارة.
تغير أنماط التحالفات العربية
دفعت مرونة العلاقة التركية–الروسية بعض الدول العربية إلى تبني سياسات أكثر تنوعًا في الشراكات الدولية، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية
سادسًا: التحديات والمعيقات
رغم التطور الكبير في العلاقات التركية–الروسية، فإنها ما تزال تواجه مجموعة من التحديات البنيوية.
غياب الثقة التاريخية
الإرث الطويل من الصراع ما يزال حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية للطرفين.
التنافس على النفوذ الإقليمي
لا تزال سوريا وليبيا والقوقاز والبحر الأسود ساحات تنافس مفتوحة بين الطرفين.
الضغوط الغربية على تركيا
تتعرض أنقرة لضغوط مستمرة بسبب تقاربها مع موسكو، خاصة في ملفات الدفاع والطاقة.
4. هشاشة التوازن الحالي
أي تصعيد إقليمي كبير قد يهدد التوازن الدقيق الذي يحكم العلاقة.
الخاتمة
تكشف العلاقات التركية–الروسية عن تحولات جوهرية في طبيعة العلاقات الدولية خلال القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد الدول تتحرك ضمن أنماط التحالفات الجامدة أو الخصومات المطلقة، بل ضمن شبكات مرنة من المصالح المتداخلة.
فالعلاقة بين أنقرة وموسكو تمثل نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بـ “الشراكة التنافسية”، التي تجمع بين التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني من جهة، والتنافس الجيوسياسي من جهة أخرى.
وقد نجح الطرفان في بناء معادلة تقوم على إدارة الصراع بدل تفجيره، وعلى توظيف المصالح المتبادلة لمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
كما أن تأثير هذه العلاقة لم يعد مقتصرًا على المجال الثنائي، بل امتد ليؤثر في التوازنات الدولية والإقليمية، خاصة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية.
وفي ظل استمرار التحولات نحو عالم متعدد الأقطاب، تبدو العلاقات التركية–الروسية مرشحة للاستمرار بوصفها نموذجًا مرنًا للعلاقات الدولية البراغماتية، وإن ظلت محكومة بحالة دائمة من التوازن الحذر.
النتائج
تحولت العلاقات التركية–الروسية من صراع تاريخي إلى شراكة براغماتية معقدة.
شكلت الطاقة والمصالح الاقتصادية العمود الفقري للعلاقة.
أثبت الطرفان قدرة عالية على إدارة الخلافات دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
العلاقة التركية–الروسية أصبحت أحد مؤشرات التحول نحو التعددية القطبية.
المنطقة العربية أصبحت إحدى أبرز ساحات تأثير هذه العلاقة.
التوصيات الخاصة بالمنطقة العربية
الاستفادة من الطبيعة البراغماتية للعلاقات التركية–الروسية لبناء سياسات عربية أكثر مرونة وتوازنًا، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة.
تطوير شراكات عربية متعددة الاتجاهات مع القوى الإقليمية والدولية، بما يقلل من الاعتماد على محور دولي واحد.
تعزيز الحضور العربي في ملفات الطاقة والنقل الإقليمي، خصوصًا مع التحولات المرتبطة بخطوط الغاز والممرات التجارية الجديدة.
الاستفادة من نموذج “إدارة التنافس” التركي–الروسي في معالجة الخلافات العربية–الإقليمية بدل تحويلها إلى صراعات صفرية.
تشجيع مراكز الدراسات العربية على توسيع البحث في التحولات الأوراسية وأثرها على الأمن القومي العربي.
بناء مقاربات عربية مستقلة تجاه الأزمات الإقليمية، تستفيد من تعدد مراكز القوة الدولية بدل الارتهان الكامل للسياسات الغربية التقليدية.
تعزيز التعاون العربي–التركي–الروسي في مجالات الغذاء والطاقة والبنية التحتية، وفق مصالح متوازنة تحفظ الاستقلالية العربية.
قائمة مراجع مختصرة مقترحة
– Henry Kissinger, World Order.
– Zbigniew Brzezinski, The Grand Chessboard.
– Dmitri Trenin, Russia and Turkey: Strategic Partners and Rivals.
– أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي.
– تقارير مركز كارنيغي ومجلس العلاقات الخارجية.
– دراسات معهد الشرق الأوسط حول العلاقات التركية–الروسية.