ندى يافي - ماهر الشريف (أوريانت 21)
ثمة جدل متجدد بشكل ملحوظ في الغرب حول الصهيونية، قد يوحي، بأنه امتداد لـ“المسألة اليهودية” التي ظهرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، والتي كان الفلسطينيون الغائب الأكبر عنها. أما المؤرخ الفلسطيني ماهر الشريف فيقدم لنا اليوم في كتابه “في الفكر الصهيوني: الصهيونية ومواقفها من العرب الفلسطينيين” (منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2025)، تحليلاً للديناميات التي قادت الفكر الصهيوني إلى صورته الراهنة، واضعاً الفلسطينيين في قلب القضية. حوار مع المؤرخ.
ندى يافي: هذا الكتاب حول الصهيونية ليس على الأرجح الأول من نوعه من منظور فلسطيني فما الذي يميزه عن الآخرين؟
ماهر الشريف: : منذ عقود عديدة، اهتم المؤرخ المعروف وليد الخالدي، أحد أبرز مؤسسي “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” في سنة 1963، بدراسة هذا الفكر كما وفنّد مقولاته التأسيسية، إذ نشر سنة 1958 مقالته “لماذا غادر الفلسطينيون؟” بالإنكليزية، ودحض فيها الشائعة الصهيونية حول مغادرة الفلسطينيين وطنهم تلبية لنداءات الحكام العرب عبر الإذاعات.1 كما يمكنني أن أشير إلى مساهمات فلسطينية أخرى في هذا الحقل من البحوث، لأنيس صايغ (1931- 2009) وصبري جريس (1938-)، ونور الدين مصالحة (1957-).و إدوارد سعيد (1935-2003) ورشيد الخالدي (1948-) وقد شرعت في إعداد كتابي مع انطلاق الحرب التي باتت تسمى، بما يشبه الإجماع، حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي سوّغ الزعماء الإسرائيليون اللجوء إليها عبر نزع إنسانية الفلسطينيين، والتعامل معهم بصفتهم أدنى شأناً على المستوى الحضاري، وقد حفزني على البحث في الموضوع السؤال التالي: هل كانت مواقف الزعماء الإسرائيليين هذه وليدة ساعتها، ونابعة من نزعة الانتقام على هجوم حركة “حماس” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أم أن لها جذوراً في الفكر الصهيوني وفي أدبيات المعبرين عنه منذ تبلور الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر؟
ما يميز كتابي هو إدراجه في حقل تاريخ الأفكار وتطورها، إذ أنه لا يتناول الأحداث السياسية إلا بمقدار ما تساعد على تسليط الضوء على الفكرة واستيعابها. كما يتميّز في امتداد حقله التاريخي من أربعينيات القرن التاسع عشر وصولاً إلى اليوم، وكذلك برصده مواقف تيارات الصهيونية المختلفة وتطورها التاريخي منذ نشأتها وإلى الوقت الحاضر.
ن ي:لقد أدرجتَ الفكر الصهيوني في سياق الفكر الاستعماري الأوروبي، كأحد فروعه، فما هي طبيعة الصلة بين الصهيونية والاستعمار الأوروبي؟
م.ش: اندرجت الصهيونية، منذ نشأتها، في إطار المشروع الاستعماري الأوروبي، ومن أسسه العنصرية، المتجاهلة لحقوق السكان الأصليين وتطلعاتهم، فنظرة تيودور هرتزل لم تكن معزولة عن النظرة الكولونيالية (الاستعمارية) في زمنه. فهو عندما قارن، في كتابه “دولة اليهود”، الصادر سنة 1896، ما بين الأرجنتين وفلسطين، وأبرز مزايا كل من هذين البلدين، ذكر بخصوص فلسطين أن دولة اليهود هناك ستكون بالنسبة لأوروبا “قطعة من المتراس ضد آسيا، والحارس المتقدم للحضارة ضد البربرية”؛ والمفارقة أن فكرة “صراع الحضارة ضد البربرية” ما زالت حاضرة إلى اليوم في الخطاب الصهيوني، وخصوصاً في الخطابات التي ألقاها بنيامين نتنياهو في الأعوام الأخيرة.
ومع أن هرتزل لم يشر في كتابه “دولة اليهود” إلى سكان فلسطين الأصليين، ولم يتطرق إلى “المسألة العربية”، فإن تَبَنّيه خطاب “المركزية الأوروبية”(بمعنى التفوق المطلق) برز بوضوح في روايته اليوتوبية “ألتنولاند” (الأرض الجديدة القديمة)، المنشورة سنة 19022، وذلك عندما أشار إلى أن المهاجرين اليهود الأوروييين سيحملون “التقدم”، متمثلاً في “الثروة، والنظافة والصحة”، إلى البلد “المتخلف”، وأبرز المزايا والمنافع الاقتصادية التي سيحصل عليها العرب نتيجة التنمية السريعة الناجمة عن الهجرة اليهودية: “لقد جلبنا نحن اليهود الثقافة والحضارة”، يقول أحد أبطال الرواية، بينما يقول “رشيد بك”، الذي يرمز إلى العرب، “لقد تسبب اليهود في ثرائنا، فلماذا نبغضهم أو نغضب عليهم إذن؟ إنهم يعيشون معنا كأخوة، فما الداعي إذاً لأن نمقتهم”.
ثم إن ما يؤكد حقيقة أن الصهيونية لم تكن أكثر من تعبير من تعبيرات الحركة الاستعمارية الأوروبية التي كانت تبحث عن أرض كي تستعمرها، هو أن تيودور هرتزل درس خيارات أخرى غير فلسطين، مثل الأرجنتين، أو صحراء سيناء، أو حتى أوغندا. وكان قد وافق على هذه الفكرة الأخيرة عندما طرحها عليه سنة 1903 وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين، لتكون الوطن القومي لليهود، وخصوصاً بعد أن اندلعت في ذلك العام موجة جديدة من “البوغرومات” ضد اليهود في روسيا. ومن المعروف أن هرتزل أقنع أغلبية أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس، الذي عُقد سنة 1903، بإيفاد بعثة خبراء إلى أفريقيا الشرقية، كي تدرس على أرض الواقع شروط الاستيطان اليهودي المقبل. بيد أن وفاته في 3 تموز/يوليو 1904 قضت على مشروع أوغندا وكرّست، بصورة نهائية، الخيار الفلسطيني.
وإذا كان بعض رواد الصهيونية، مثل الفيلسوف مارتن بوبر، قد عبر عن فكرة ارتباط اليهود بالشرق، وعن الرغبة في أن يكون اليهود في فلسطين صلة وصل بين الشرق والغرب، فإن معظم هؤلاء الرواد أرجع “تفوق اليهود الحضاري” إلى ارتباطهم بالغرب؛ ففلاديمير زئيف جابوتنسكي، على سبيل المثال، أكد أن اليهود ليس لديهم أي شيء مشترك مع ما يوصف بمصطلح “شرقي”، مقدّراً أن الشرق ظل “خاضعاً لنير الاستبداد”، وهو “يريد إدخال الدين في كل مجالات الحياة المدنية”، وتخضع المرأة فيه “لأداة السلطة الأشد قوة والأكثر مأساوية التي يستخدمها الشرق: تعدد الزوجات، والحريم، والحجاب3” .
ن.ي.: يكشف الكتاب ثوابت في الفكر الصهيوني لا عبر الزمن فحسب، بل عبر مختلف تيارات الصهيونية .
م ش.: تبيّن لي من خلال البحث الذي أعددته أن الاختلافات بين تيارات الصهيونية تظل اختلافات في الشكل وليس في الجوهر، إذ تتفق جميع هذه التيارات على أن اليهود في العالم يشكّلون أمة، فُرض عليها أن ترحل من “أرض إسرائيل” قبل أكثر من ألفي عام. وتنطوي الصهيونية في نظرهم على مشروع لإنقاذ اليهود من أخطار معاداة السامية وإعادتهم وتجميعهم في “وطنهم” التاريخي، من خلال الاستيلاء على الأرض والتوطن فيها. ويعتبرون التوراة بمثابة “صك ملكية” لهذه الأرض، وأن اللغة العبرية بجب أن تكون اللغة السائدة.
ولقد كان هناك ما يشبه الإجماع بين هذه التيارات على أن المهاجرين اليهود سيقومون بتطوير فلسطين من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما سيكون في مصلحة سكانها العرب. عندما واجهت الصهيونية “المسألة العربية”، برز اختلاف بين تياراتها حول أسلوب مواجهة هذه المسألة، إذ تبنى تيار أول فيها فكرة ترحيل سكان البلد الأصليين، قسراً أو طوعاً، بينما طرح تيار ثاني أمام العرب الفلسطينيين “المهزومين أو القانعين” أحد خيارين: إما أن يصبحوا أقلية تتمتع بالحقوق المدنية وباستقلال واسع في إدارة شؤونها ضمن الدولة اليهودية، أو الهجرة الطوعية من البلد وتجسيد حقوقهم القومية خارج فلسطين، وهذا ما طرحه تحديداً جابوتنسكي في مقالته الشهيرة “الجدار الحديدي” سنة 1923، وذهب تيار ثالث أقلّوي إلى طرح فكرة التعايش مع العرب الفلسطينيين والتوصل إلى وفاق معهم، ولكن على قاعدة أن للشعبين حقوقاً مختلفة في فلسطين، إذ يملك اليهود حقوقاً قومية تاريخية فيها في حين يملك العرب الفلسطينيون حق الإقامة.
ن.ي.:يعتبر البعض أن “الصهيونية” كانت علمانية في البداية، قبل أن تنحرف نحو التعصب الديني الذي راح يتغلغل في الجيش والمخابرات والمجتمع ككل ؟.
م.ش.: تمثّل طموح تيودور هرتزل في إقامة دولة علمانية، قائمة على الفصل بين الدين والدولة، وهو ما أكد عليه في كتابه “دولة اليهود” وفي روايته اليوتوبية “ألتنولاند”، لكنه تجنب القطيعة مع العالم الديني، مؤكداً أن الصهيونية “تعني عودة إلى الديانة اليهودية قبل أن تكون عودة إلى بلد اليهود”. وبالتالي فالصهيونية لم تكن يوماً حركة علمانية تماماً، بل نظرت إلى الديانة اليهودية باعتبارها مكونّاً أساسياً من مكوّنات “الهوية اليهودية”، واعتبرت أن “التوراة” هي التي حافظت على وجود الأمة اليهودية، وكان هذا القاسم المشترك في أساس التحالف بين العلمانيين والمتدينين، منذ سنة 1902، إذ كان الحاخام الليتواني اسحاق يعقوب رينس، مؤسس حركة “همزراحي”، وهي نواة تيار الصهيونية الدينية، حليفاً وفياً لتيودور هرتزل. وقد حاول الجمع بين نزعة قومية تطمح إلى إقامة دولة يهودية بفعل التدخل البشري، من جهة، وبين إيمان يمنع التدخل في الإرادة الإلهية وتحقيق “الخلاص” على يد البشر أنفسهم، من جهة ثانية.
وقد برز هذا التحالف بين العلمانيين والمتدينين بوضوح بعد إقامة دولة إسرائيل. إذ قرر دافيد بن غوريون، ألا يقر الكنيست الأول، في مطلع كانون الثاني/يناير 1949، دستوراً مكتوباً للدولة تجاوباً مع رغبة المتدينين الذين يعتبرون أن الدستور الوحيد هو التوراة، وقدم، بغية إدماج الجماعات الدينية ضمن الدولة، بعض التنازلات في مجال العلاقات بين الدين والدولة.
ويبدو لي أن هذه “العلمانية” الملتبسة، التي تبنتها على حدٍ سواء كل من الصهيونية “الاشتراكية”، التي تعود بأصولها إلى دافيد بن غوريون، وصهيونية اليمين القومي، التي تعود بأصولها إلى زئيف فلاديمير جابوتنسكي، كانت الأرضية التي نمت عليها التيارات الدينية، ممثلة في أحزاب الأرثوذكس المتشددين (الحريديم)4، من جهة، وفي أحزاب الصهيونية الدينية، من جهة ثانية، هذه التيارات التي صارت تتمتع اليوم بثقل سياسي كبير في الحياة السياسية الإسرائيلية.
ن.ي.: ما مدى صحة القول بأن الصهيونية كانت أيديولوجية اشتراكية في البداية، ثم انحرفت عن طريقها؟
م.ش.: لقد قاربتُ موضوع “اشتراكية” الصهيونية في كتابي من خلال التوقف عند مواقف أربعة من ممثليها الأوائل، هم اسحاق بن تسفي، وأهارون دافيد غوردون، ودافيد بن غوريون وبرل كاتزنلسون. فاسحاق بن تسفي، غلّب القومية على الاشتراكية، وسوّغ سياسة “العمل العبري” دون سواه، وأنكر وجود بروليتاريا عربية يمكن إقامة تعاون معها على قاعدة مبدأ “التضامن البروليتاري الأممي”.
أما أهارون دافيد غوردون، منظّر ما يمكن تسميته بـ “الاشتراكية القومية”، فهو أول من طرح مبدأ الحق في تملك الأرض من خلال العمل، إذ أكد أن الأرض “تعود إلى الشعب الذي يتحمل المعاناة الأكبر من أجلها”5، وهي تُكتسب بـ “عرق الجبين”، من جهة، وبالوعي بامتلاك “الحق” في ملكيتها، من جهة ثانية. ومع مرور السنوات، راح يربط “حقوق اليهود التاريخية” في فلسطين بالتوراة، وكتب: “نمتلك مع أرض إسرائيل عقداً لا يمكن لأحد ولا لأي أمر أن يلغيه، فهو عقد أبدي: وأتحدث هنا عن التوراة”.
وفي الاتجاه نفسه، قدّر دافيد بن غوريون6 أن العرب “عاجزون عن استثمار الأراضي” في “أرض إسرائيل”، ولم يكن وجودهم فيها “مثمراً”، معتبراً أن هذه الأرض تنتظر شعباً متطوراً ومتحمساً، غنياً بالقوى المادية والروحية، ومسلحاً بالعلم والتقنيات الحديثة، كي يتجذر في هذه الأرض، “بحيث يروي الصحراء، ويجعل الهضاب المقفرة مزهرة، ويغني الأرض المنهكة، ويزرع الرمال، ويحوّل الأنقاض إلى جنان”. وأشار بن غوريون إلى أن الصهيونيين “الاشتراكيين”، خلافاً لطرق المستعمرين الأوروبيين، لا يطالبون بالحصول على فلسطين، كي يقوموا باضطهاد العرب، ولا كي يبحثوا عن أسواق لتصريف منتجات الصناعات اليهودية في بلدان المنفى، بل إن ما يطالبون به في فلسطين هو وطن، وهذا الوطن “سينجحون في تملكه عندما يصبح معظم عماله والمدافعين عنه من اليهود؛ فالغزو الحقيقي لفلسطين سيكون من خلال العمل7”.
إلا أن برل كاتزنلسون كان الأكثر وضوحاً في التعبير عن هذه الصهيونية “الاشتراكية”، فلقد عارض فكرة وجود حركتين قوميتين في “أرض إسرائيل” لكل واحدة منهما الحق الشرعي نفسه في المطالبة بالأرض، وأنكر عن الحركة العربية صفة مناهضة الإمبريالية ، ولم يستبعد فكرة ترحيل السكان العرب من فلسطين، مقدّراً أنه كما يمكن “طرد عامل زراعي عربي من مزرعة يهودية، حتى بعد ان قضى سنوات طويلة في العمل فيها”، بشرط منحه الحق “في الحصول على تعويض”8، كذلك يمكن تهجير السكان العرب “ما دام يتم التعويض عن حقوقهم الفردية، التي لا تنطوي على حقوق قومية”، وما دام هذا التهجير “يتم برضاهم” .
ن.ي.: ألا تعتبر أنه لو لم يقتل رابين لكانت الأوضاع مغايرة لما هي عليه اليوم؟
م.ش.: لا أشك في أن اسحاق رابين كان يريد، عندما موافقته على “اتفاق أوسلو”، أن يصنع سلاماً مع الفلسطينيين، ولكن أي سلام؟ إنه السلام الذي يكرس الاحتلال ويحرم الفلسطينيين من السيادة على أرضهم ومن إقامة دولتهم المستقلة.
صحيح أن رابين اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ووافق على التفاوض معها، ولكن بمعزل عن أي اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وهو ما أكدته الرسالة الهزيلة، من حيث المضمون، التي وجهها إلى ياسر عرفات في 10 أيلول/سبتمبر 1993، رداً على رسالة هذا الأخير إلى رابين في التاسع من الشهر نفسه.
والأمر الذي حفز رابين على الإقدام على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والموافقة على التفاوض معها هو رغبته في تخلي إسرائيل عن مسؤولياتها إزاء السكان الفلسطينيين وتخفيف تكلفة الاحتلال وتجنب ضم المناطق الفلسطينية المحتلة إلى إسرائيل بغية الحفاظ على طابعها “اليهودي والديمقراطي”، كما شجعه على ذلك كون منظمة التحرير الفلسطينية، التي خرجت منهكة من أزمة الخليج، تتمتع بشرعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمتلك جهازاً عسكرياً ومدنياً يمكّنها من إدارة شؤون السكان الفلسطينيين والمساهمة في الحفاظ على الأمن، لكن من دون أن تتمتع بأي سيادة حقيقية على الأرض.
من ناحية أخرى، وخلافاً لما أشيع من أن “اتفاق أوسلو” عبّر عن رغبة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في التوصل إلى حل يفضي إلى “دولتين لشعبين” على أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام”، لم يتحدث اسحاق رابين إطلاقاً عن دولة فلسطينية، وإنما تحدث، قبل اغتياله بشهر واحد، عن اتفاق انتقالي يسمح للفلسطينيين بأن يديروا شؤونهم بأنفسهم، على أن تحتفظ الحكومة الإسرائيلية بضمانها أمن المستوطنات والمستوطنين، والأمن الخارجي على المعابر وبإحكام قبضتها على “القدس الموحدة”.
وعندما قام “الكاهاني” باروخ غولدشتاين، فجر يوم الجمعة في 25 شباط/فبراير 1994، بإطلاق النار من بندقيته الرشاشة على المصلين الفلسطينيين في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فقتل 29 منهم وجرح 125، صدرت دعوات عديدة داخل إسرائيل تطالب اسحاق رابين بمنع المستوطنين من حمل السلاح، وترحيلهم من مدينة الخليل، ولكن هذا الأخير امتنع عن التجاوب مع تلك الدعوات، وأظهر، بذلك، موقفه الحقيقي من مسألة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة. ولكل هذه الأسباب، لا مصداقية للقول إنه لو لم يتمّ اغتيال اسحاق رابين لكانت الأوضاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين مغايرة حقاً لما هي عليه اليوم!
م.ن.:ما هي المنعطفات التاريخية التي أدت بالصهيونية إلى ما هي عليه اليوم؟
م.ش.: مرّت الصهيونية بمنعطفات عديدة خلال تاريخها الطويل، وسأتوقف، باختصار، عند أربعة رئيسية منها. كان المنعطف الأول لدى صدور قرار تقسيم فلسطين الدولي في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، ذلك أن القيادة الصهيونية، وعلى رأسها دافيد بن غوريون أدركت عندها أن تطبيق القرار يعني أن الدولة اليهودية المقترحة ستضم أقلية عربية كبيرة يزيد حجمها عن 40 في المئة من تعداد السكان، فانتقلت من حيز التفكير بمشاريع الترحيل إلى حيز العمل على تنفيذها، ونجحت في ترحيل ما بين 750000 إلى 800000 فلسطيني وفلسطينية.
وتمثّل المنعطف الثاني في حرب حزيران/يونيو 1967، إذ انتهجت حكومة “الوحدة الوطنية” التي شكلها العمالي ليفي إشكول، بعد الانتصار الحاسم الذي حققته إسرائيل في تلك الحرب، سياسة فرض الأمر الواقع في الأراضي العربية المحتلة، وشرعت في إقامة المستوطنات اليهودية فيها باسم الحقوق التاريخية للشعب اليهودي على كل “أرض إسرائيل”.
أما المنعطف الثالث، فتمثّل في الانتصار الذي حققه اليمين القومي، بزعامة مناحم بيغن، في انتخابات الكنيست في 17 أيار/مايو 1977، والذي ضمن له الوصول إلى السلطة لأول مرة في تاريخه، وهو الانتصار الذي عزز النزعة العدوانية والتوسعية لدولة إسرائيل، من خلال توسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وضم الجولان السوري وشن حرب صيف سنة 1982 على لبنان.
وكان المنعطف الرابع، أخيراً، عند مطلع الألفية الثالثة، عندما راحت تهيمن على الحكم في إسرائيل “صهيونية جديدة”، أرادت فرض الاستسلام الكامل على الشعب الفلسطيني، وذلك استناداً إلى قناعة فحواها أن حرب سنة 1948 لم تنتهِ ولا بدّ من استكمالها بما يخلق الشروط التي تسمح بطرد ما تبقى من فلسطينيين وفلسطينيات من أرض وطنهم، معتبرة أن الصراع مع الفلسطينيين هو صراع وجودي لا حل له؛ وعليه، فقد شنت حرباً واسعة على الضفة الغربية في سنة 2002، وعدة حروب كبرى على قطاع غزة، في سنوات 2008-2009، 2012، 2014، و 2021، وعبّرت عن هذه “الصهيونية الجديدة”، في أدق تعبير لها، الحكومة التي شكّلها بنيامين نتنياهو في أواخر سنة 2022، على قاعدة تحالف اليمين القومي مع الصهيونية الدينية، والتي راحت تشن على الشعب الفلسطيني ، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حرباً، متعددة الأشكال على كامل تراب فلسطين التاريخية، وتطمح من خلال نزعتها التوسعية إلى إقامة “إسرائيل الكبرى”.
ن.ي.: كيف يمكن للفلسطينيين مواجهة هذه الأوضاع، وهل ترى في الجدال الدائر حالياً حول معاداة الصهيونية وفي الإدانة المتعاظمة للحكومة الإسرائيلية ما من شأنه تعديل ميزان القوى؟
م.ش.: في اعتقادي أن نصر الصهيونية النهائي لن يتحقق إلا في إفراغ فلسطين التاريخية من سكانها العرب الفلسطينيين أو من القسم الأعظم منهم. أما اليوم، فإن كل التقديرات تشير إلى أن عدد العرب الفلسطينيين في فلسطين التاريخية يساوي عدد اليهود الإسرائيليين، وهو ما يعني أن منع الصهيونية من تحقيق نصرها النهائي يتطلب ضمان صمود الفلسطينيين والفلسطينيات فوق أرضهم والعمل على توفير مقومات هذا الصمود، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتباره هدف المشروع الوطني الفلسطيني الراهن، على أن يترافق هذا الهدف مع مواصلة النضال من أجل الاستمرار في تدويل القضية الفلسطينية وفرض المزيد من العزلة الدولية على إسرائيل وتوسيع الحملة الرامية إلى فرض المقاطعة والعقوبات عليها.
قد يبدو هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة وسيدة بعيد المنال، حيث يحتاج تحقيقه إلى معطيات سياسية جديدة وتغيير جذري في موازين القوى، إلا أن ذلك لا يعني التخلي عن المكاسب التي تحققت على هذا الطريق والتي تمثّلت، بصورة خاصة، في الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية المعلنة، رغم دلالتها الرمزية التي لن يكون لها تأثير على أرض الواقع ما لم تترافق مع عقوبات فعلية تفرض على حكام إسرائيل
ولا بّد أن يكون شكل النضال الحالي متسقاً مع هدف ضمان صمود الفلسطينيين والفلسطينيات فوق أرضهم، ولا سيما عبر المقاومة الشعبية غير المسلحة، وهو الشكل الأنسب اليوم. وإن كان من الصعب استنساخ تجارب المقاومة الشعبية التي برزت خلال الانتفاضة الأولى، حيث أن اتفاقية أوسلو وولادة السلطة الوطنية أفرزتا معطيات سياسية جديدة، إلا أن الانتفاضة الثانية، والسنوات التي أعقبتها، شهدت تجارب في المقاومة الشعبية قد يكون من المفيد استخلاص العبر منها كإنشاء اللجان الشعبية و“لجنة تنسيق المقاومة الشعبية”
وقد يِساهم في نهاية المطاف هذا التحوّل في مواقف الحركة الوطنية الفلسطينية ومناهجها، والمقترن بحملة التضامن الدولية في إحداث تغيير داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يوسع دائرة اليهود الإسرائيليين الذين يعتبرون أن فلسطين التاريخية يمكن أن تتسع لشعبين يعيشان على الأرض الواحدة، في أمن وسلام، ويتمتعان بالحقوق نفسها.