مقالات

جلالة الناهب: طريق ترامب وسلب مليارات الفوسفات مخطط ملكي مغربي خالص

post-img

(The Cradle)

يستعرض النص استغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية المحتلة من خلال حزام ناقل يربط منجم "بوكراع" بالمحيط الأطلسي، واستغلال المؤسسة الملكية المغربية لموارد الفوسفات الحسابات الملك وأفراد العائلة. وتتقاطع هذه المصالح الاقتصادية مع تحركات سياسية جيوستراتيجية. وتكتمل أبعاد الصورة بالامتيازات الجمركية والتسهيلات الأميركية لشحنات الأسمدة نحو أراضيها في ظل حالة طوارئ الإمدادات، مما يكرس شراكة اقتصادية وسياسية متجاوزة قرارات القانون الدولي ومحاكمه التي تصف استخراج هذا الفوسفات بالنهب غير الشرعي لموارد الصحراء..

هناك آلة في الصحراء الغربية المحتلة يمكن رؤيتها من الفضاء. حزام ناقل، هو الأطول على وجه الأرض، يمتد قرابة مئة كيلومتر من الفولاذ من منجم يُدعى بوكراع إلى المحيط الأطلسي. وعلى مدى نصف قرن، ظل ينقل الفوسفات خارج الصحراء الغربية المحتلة، عبر الحروب، واتفاقات وقف إطلاق النار، والاستفتاء الموعود الذي لم يُجرَ قط. استُنزفت بالفعل أغنى طبقة من الرواسب، وبيعت قبل أن تتاح لسكان الصحراء فرصة التصويت بشأنها. أما الكهرباء التي تُبقي الحزام الناقل قيد التشغيل، فتبيعها للدولة مزرعة رياح يملكها الملك.

في 26 تموز/يوليو، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الطريق السريع الذي يمر بمحاذاة هذه الآلة بات يحمل اسمه. وجاء الإعلان في مقطع فيديو مدته أربع دقائق على منصة "تروث سوشيال"، بصوت يبدو أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي، يشيد بـ"شجاعته التاريخية" في إشارة للملك المغربي محمد السادس. وبعد ستة أيام من إعلان ترامب، أفادت "وكالة المغرب العربي للأنباء" أن الرباط أطلقت اسم "الطريق السريع دونالد. ترامب" على الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة في الصحراء الغربية، في سياق نشرها لرسالة وجهها العاهل المغربي إلى الرئيس الأميركي في الثاني من تموز/يوليو، معلنا فيها عن قرار التسمية .ووصف العاهل المغري في رسالته الاعتراف الأميركي بالصحراء المغربية بأنه محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الثنائية. وقال الملك، في الرسالة، إن قرار واشنطن منح العلاقات المغربية الأميركية "زخمًا غير مسبوق"، مضيفًا أن إطلاق اسم ترامب على الطريق يأتي تعبيرًا عن تقدير المغرب للدور الذي لعبه في تعزيز الشراكة بين البلدين.

يمتد الطريق لمسافة 1,055 كيلومترًا من الاستيطان المصبوب فوق آخر مستعمرة في أفريقيا، من النوع الذي اعتادت الإمبراطوريات دائمًا تشييده وإطلاق أسمائها عليه. ويربط المنجم، والميناء، وامتيازًا بحريًا قبالة الساحل تسيطر عليه "إسرائيل"، والأسمدة المعفاة من الرسوم الجمركية التي تُشحن الآن إلى نيو أورلينز بموجب حالة طوارئ فر ضتها واشنطن. وإذا تتبعت الطريق بما يكفي، فإن الإسفلت يقود من الفوسفات إلى القصر.

احتلال دُفع ثمنه على أقساط

لكل دفعة مالية فاتورة ورقية، وفاتورة الطريق دفعت قبل إطلاق الاسم بخمس سنوات. فقد وُقّعت الاتفاقية التي أنشأت الطريق في العيون عام 2015 بحضور الملك محمد السادس، في الذكرى الأربعين لـ"المسيرة الخضراء"، بكلفة بلغت 10 مليارات درهم (1.073 مليار دولار بسعر الصرف اليوم). قامت المغرب بتعزيز ضمها للصحراء الغربية عن طريق فتح طريق الإسفلت، كما فعلت الإمبراطوريات دائمًا، قبل وقت طويل من أن تمنحه واشنطن مباركتها. وما جاء في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020 (إعلان ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية)، لم يكن الطريق، بل التوقيع.

أصبحت المغرب رابع دولة عربية تطبّع علاقاتها مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وفي المقابل اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على كامل الصحراء الغربية. وقد تفاوض جاريد كوشنر على الصفقة، وقدم لها الأساس النظري، مشبّهًا الاعتراف بالصحراء باعتراف ترامب بسيادة "إسرائيل" على مرتفعات الجولان المحتلة. احتلال أُضفيت عليه الشرعية وفق نموذج احتلال آخر. لقد قال مهندس الصفقة ذلك بنفسه، بحيث لا يحتاج أي محلل إلى استنتاجه.

ماذا يمر بمحاذاة الطريق؟

دفعت تل أبيب قسطها الخاص في تموز/يوليو 2023، عندما بعث رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو رسالة إلى الملك محمد السادس يعترف فيها بالمطالبة المغربية بالصحراء الغربية. وأوضح مسؤول مغربي رفيع الغرض من الرسالة قائلاً إن الرباط تتوقع أن يشجع هذا الاعتراف الاستثمارات الإسرائيلية في الإقليم. الاعتراف بوصفه نشرة استثمارية. هكذا صُممت الصهيونية العابرة للحدود: تضع دولة الاحتلال النموذج، وتنفذ واشنطن، وتجني المملكة المغربية العميلة العائد.

إلى الجنوب من العيون، تعود الآلة إلى الظهور. يغذي منجم بوكراع الحزام الناقل الممتد إلى ميناء العيون، حيث حملت سفن الشحن ثروات الإقليم إلى الخارج منذ عام 1975. ووفقًا لأرقام OCP نفسها، يوفّر بوكراع نحو خمس صادرات الشركة، رغم أنه لا يمثل سوى ثمانية في المئة من حجم الاستخراج. هذا هو الغرض من الاحتلالات.

أما جودة الخام، فهي تروي قصتها بنفسها. إذ تتكون رواسب بوكراع من طبقتين، وقد وثّقت منظمة Western Sahara Resource Watch، التي تتابع كل شحنة مسروقة تغادر ميناء العيون، أن المغرب استنفد عمليًا الطبقة الأعلى جودة، التي كان ينبغي أن تكون متاحة للشعب الصحراوي، لينتقل منذ عام 2014 إلى استخراج الطبقة الثانية الأقل جودة. وما تبقى اليوم ليس سوى البقايا.

ولا يوجد أي غموض قانوني في هذا الأمر. فقد خلص المستشار القانوني للأمم المتحدة عام 2002 إلى أن مواصلة استغلال موارد الإقليم خلافًا لرغبات شعبه تشكل انتهاكًا للقانون الدولي. كما قضت محكمة في جنوب أفريقيا عام 2018 بأن ملكية شحنة فوسفات قادمة من العيون لم تنتقل قانونيًا إلى شركة OCP أصلًا. فالشركة تشحن بضائع مسروقة. ومحكمة هي من قالت ذلك. أما الطريق الذي يريد ترامب أن يحمل اسمه، فهو الشريان البري لهذه التجارة.

حالة طوارئ فرضتها واشنطن

سلكت السوق الأميركية طريقا طويلا. في عام 2021 فرضت واشنطن رسوماً تعويضية بنسبة 19.97 في المئة على شركة OCP بعد أن اشتكت شركة Mosaic في ولاية فلوريدا من المنافسة المدعومة. وظلت النسبة ترتفع وتنخفض على مدى خمس سنوات، إلى أن خفّضتها محكمة التجارة إلى 2.11 في المئة في كانون الأول/ديسمبر 2025، وسرعان ما تخلت واشنطن عن استئنافها بهدوء. ثم نشبت الحرب.

تسببت الضربات الأميركية على إيران في خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو الشريان الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا في العالم. فارتفعت الأسعار، واضطر المزارعون إلى تقنين الاستخدام، وفي 29 حزيران/يونيو، أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية استنادًا إلى بند يعود إلى قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، معلقًا الرسوم بالكامل. وكان التعليق محددًا زمنيًا، لا من حيث الكميات، إذ أكد مسؤول في وزارة الزراعة الأميركية أن بإمكان OCP شحن كميات غير محدودة لمدة ثمانية أشهر. لقد أشعلت واشنطن النار في سلسلة الإمداد، ثم أعلنت حالة طوارئ بسبب دخان الحرب، وسلمت شريك التطبيع مفاتيح السوق الأميركية.

والآن، لننظر إلى ما يُشحن إلى الداخل. يتميز الفوسفات الرسوبي في شمال أفريقيا بطبيعته بارتفاع نسبة الكادميوم، وهو عنصر مُسرطن، وقد حدد الاتحاد الأوروبي سقفًا يبلغ 60 مليغرامًا لكل كيلوغرام في الأسمدة. وكان رد OCP هو الضغط ضد هذا السقف، إذ استعانت بشركتي Dechert LLP وEdelman، واقترحت على بروكسل رفع الحد إلى 80 مليغرامًا. أما الولايات المتحدة، فلا تفرض سقفًا اتحاديًا مماثلًا، تاركةً الرقابة لمجموعة متباينة من القواعد على مستوى الولايات. وهكذا وجد الخام الذي قُيّدت أسواقه في أوروبا سوقًا لا يملك منظمًا مماثلًا. ولم يتأخر رأس المال الأميركي في التحرك؛ فبعد أسبوعين من الإعلان، وقّعت Koch اتفاقًا للاستحواذ على حصة في مشروع مشترك داخل مجمع OCP للأسمدة في الجرف الأصفر. وكان التكتل نفسه قد استثمر نصف مليار دولار في قطاع التكنولوجيا لدى كيان الاحتلال عبر ذراعه الاستثمارية KDT، التي أُنشئت بقيادة إيلي غرونر، كبير موظفي نتنياهو السابق، والمستوطن في الضفة الغربية المحتلة.

من الفوسفات إلى القصر

إذا تتبعت الإيرادات صعودًا، فإنها لا تتوقف عند خزينة الدولة. فشركة OCP مملوكة للدولة المغربية. لكن العرش يقف على رأس بنية موازية؛ إذ تسيطر العائلة الملكية على نحو 60 في المئة من مجموعة المدى (Al Mada) عبر شركتين خاصتين هما SIGER وERGIS، والاسمان مشتقان من الكلمة اللاتينية regis التي تعني "الملك"، وتغذيان صندوقًا يملك فيه محمد السادس حصة تبلغ 50.6 في المئة. أما منير الماجيدي، مدير  SIGER، وهو أيضًا السكرتير الخاص للملك؛ رجل واحد يدير مكتب رئيس الدولة وخزينة العائلة في آنٍ واحد.

وتُعد شركة ناريفا (Nareva)، الذراع الطاقوية لمجموعة المدى، النقطة التي تتحول عندها أموال الفوسفات إلى أرباح ملكية.

 فمزرعة الرياح في فم الواد، التي شيدتها شركة تابعة مملوكة بالكامل لـ"ناريفا"، توفر تقريبًا كامل الكهرباء التي تحتاجها OCP  لاستخراج فوسفات بوكراع، وتشغيل الحزام الناقل، وغسل الخام تمهيدًا لتصديره. الدولة تنهب الفوسفات، والملك يبيع الدولة الطاقة التي تُستخدم في هذا النهب. وكل طن يغادر ميناء العيون يكون قد استهلك أولًا كهرباء ملكية. وجميع مزارع الرياح في الإقليم المحتل، باستثناء واحدة، تقع ضمن محفظة "ناريفا". وهنا تطرح منظمة Western Sahara Resource Watch  السؤال الذي يحمل جوابه في طياته: لماذا قد يدعم ملك يربح من الاحتلال عملية سلام ترعاها الأمم المتحدة؟

وأفادت صحيفة Barlamane المغربية بأن الكميات التي جرى إصدار فواتير بها ضمن مشروع الطريق السريع تجاوزت بكثير حجم الأعمال المنفذة فعليًا، ما دفع وزير التجهيز إلى منع مكتب الدراسات الطبوغرافية المعني من المشاركة في الصفقات العمومية لمدة خمس سنوات. وحتى على الطريق إلى الداخلة، فإن المبالغة في الفوترة أصبحت جزءًا من البنية التحتية.

لم يكن الاسم يومًا هو المقابل

لطالما شقت الإمبراطوريات الطرق عبر الأراضي التي احتلتها وسمّت ذلك حضارة. فعلتها روما، وفعلتها فرنسا في الصحراء الغربية نفسها، وفي تموز/يوليو 2026 بلغ هذا التقليد أكثر مراحله كثافة: فوسفات معفى من الرسوم يتجه إلى نيو أورلينز، وشركة Koch تدخل إلى الجرف الأصفر، ورئيس أميركي يُطلق اسمه على طريق سريع يعبر أرضًا لم تكن يومًا للمغرب كي يمنحها لأحد.

وما يزال الحزام الناقل في بوكراع يدور، وما تزال توربينات الملك تواصل الدوران، وما تزال الإيصالات تُطبع، والشيء الوحيد الذي لم تفعله الرباط حتى الآن هو أن تنطق بالاسم علنًا.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.