مصر 360
في سياق الهجمات التي تشنها إسرائيل على لبنان، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريرًا، يوثق الأثر الإنساني للعمليات العسكرية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى، بداية من 2 مارس 2026.
ويهدف التقرير إلى تقييم الأثر الإنساني والقانوني لهذه العمليات، خاصة فيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، والتي تجاوزت وقائعها المناطق الحدودية إلى مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى تعطيل الحياة اليومية لملايين المدنيين.
ويكشف التقرير، الذي قُدِّم من جنيف على لسان المتحدث الرسمي ثمين الخيطان، عن أنماط لانتهاكات واسعة النطاق، تمس حقوق الإنسان الأساسية، حيث يوثق التقرير مقتل ما لا يقل عن 1,029 شخصًا، وأُصيب 2,786 آخرين، ونزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان.
بعد أن تعرضت مناطق الجنوب لغارات عنيفة وتوغلات برية، مع تسجيل ارتفاع واضح في أعداد الضحايا المدنيين وحالات النزوح الجماعي.
مؤشرات الخسائر البشرية والانتهاكات
أدى التصعيد المتجدد في مارس 2026 إلى تدهور حاد في الوضع في لبنان، بعد أن وسعت إسرائيل نطاق هجماتها لتشمل مناطق مختلفة في لبنان بالتزامن مع المواجهة مع إيران.
وشنت إسرائيل غارات جوية وقصفًا مدفعيًا، مع عمليات مكثفة بشكل خاص في النبطية والبقاع وبعلبك والضواحي الجنوبية لبيروت، وأصدرت القوات الإسرائيلية تحذيرات واسعة النطاق وأوامر تهجير، شملت مناطق متعددة.
استهداف المدنيين والبنية التحتية
أبرز ما وثقه التقرير هو وقوع هجمات مباشرة على المدنيين، حيث يقول التقرير: “أظهر تحليلنا للهجمات واسعة النطاق والقصف والتوغلات البرية أن عمليات القوات الإسرائيلية في لبنان تضمنت حالات اعتداء مباشر على المدنيين.”
كما سجل التقرير حالات تدمير مبانٍ سكنية متعددة الطوابق بالكامل، ما أدى إلى مقتل عائلات بأكملها، في نمط وصفه التقرير بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وقد جرى استهداف العاملين في القطاع الصحي والإعلامي، حيث وثّق التقرير هجمات متكررة على الطواقم الطبية والصحفيين، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا للقوانين الدولية، ومن أبرز الحوادث: “أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل الصحفية اللبنانية آمال خليل وإصابة المصورة زينب فرج”.
كما أشار التقرير إلى عرقلة فرق الإنقاذ، بما في ذلك الصليب الأحمر اللبناني، عبر إطلاق نار حي واستخدام قنابل صوتية، مما أدى إلى تأخير عمليات الإنقاذ ووصول الطواقم إلى مواقع الحوادث.
استخدام الفوسفور الأبيض
تضمن التقرير إشارات إلى استخدام ذخائر، تحتوي على الفوسفور الأبيض، وهي مادة شديدة الاشتعال تُثير قلقًا دوليًا؛ بسبب آثارها المدمرة على البشر والبيئة.
كما أشار التقرير إلى ما سماه توثيق انتهاكات من جانب حزب الله، حيث: “أطلق صواريخ غير موجهة على مناطق سكنية في إسرائيل، ما أدى إلى أضرار في البنية التحتية المدنية، وقد يشكل ذلك بدوره انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، نظرًا لعدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.”
النزوح الجماعي والأزمة الإنسانية
يُعد النزوح أحد أبرز المؤشرات التي سلط عليها التقرير الضوء، حيث نزح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، ما يعني أن أوامر الإخلاء شملت نحو 14% من الأراضي اللبنانية، بينما لا تزال 55 منطقة في الجنوب خاضعة لأوامر النزوح حتى الآن.
وسجلت المفوضية 71 تحذيرًا، أصدرتها القوات الإسرائيلية، شملت ما لا يقل عن 189 موقعًا في مختلف أنحاء لبنان، وذلك خلال الفترة ما بين 2 و22 مارس، كما سجلت تحذيرات متكررة لجميع سكان جنوب لبنان بالانتقال شمال نهر الليطاني، ثم شمال نهر الزهراني (على بعد حوالي 40 كيلو مترًا من الخط الأزرق).
ويشير التقرير إلى أن أوامر الإخلاء كانت من حيث طبيعتها “مبهمة وشاملة، ولم تُصدر تحذيرات فعّالة في العديد من الحالات”، وهو ما يدخل في نطاق نزوح قسري، والذي يُعد محظورًا بموجب القانون الدولي.
فيما يتعلق بانتقال النازحين إلى أماكن أخرى للإقامة، هناك ما يقارب 134,377 نازحًا داخليًا، يقيمون في ملاجئ جماعية داخل لبنان حتى 22 مارس، كما سجلت المنظمة الدولية للهجرة وصول ما يقارب 82,000 وافد من لبنان إلى سوريا بين 2 و16 مارس.
وسلط التقرير الضوء على ما يعانيه النازحون من صعوبة في الوصول إلى السكن، وضعف ونقص الخدمات الأساسية، إضافة إلى تعرض البعض لممارسات تمييزية في بعض المناطق، وعبر عن قلقه من تصاعد التوترات المجتمعية؛ نتيجة هذه الضغوط.
تدمير البنية التحتية وسبل العيش
وثق التقرير أضرارًا جسيمة، طالت المرافق الصحية والمدارس والمواقع الدينية والأراضي الزراعية، مشيرًا إلى أن الهجمات أدت إلى: “حرق أو تلويث الأراضي الزراعية، وتعطيل أو تدمير سبل العيش؛ ما يؤثر بدوره بشكل مباشر على الحق في الغذاء والعمل والصحة، ويعمّق من الأزمة الإنسانية القائمة”.
يركز التقرير على تقييم الانتهاكات وفقًا للقانون الدولي الإنساني، ويخلص إلى أن: استهداف المدنيين بشكل مباشر يُعد جريمة حرب، وأن استهداف العاملين في المجال الطبي والصحفيين محظور بشكل صريح، فيما النزوح القسري يمثل انتهاكًا خطيرًا، خاصة مع غياب التحذيرات الفعالة قبل الهجمات، ما يزيد من خطورة الانتهاكات.
مواقف الأمم المتحدة والتوصيات
دعا المفوض السامي فولكر تورك إلى: “إجراء تحقيقات فورية وشاملة ومستقلة ونزيهة في جميع الحوادث، مع نشر نتائج التحقيقات بشفافية ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات”.
كما طالب بضرورة التوصل إلى وقف إطلاق نار فوري وفعّال، وضمان المرور الآمن للمدنيين الراغبين في العودة إلى ديارهم، والتحقيق بشكل شامل ومحايد في جميع الحوادث المرتبطة بالنزاع، والتي تتضمن احتمال انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، مع الإفصاح العلني عن النتائج ذات الصلة، وضمان محاسبة المسئولين من خلال تدابير مساءلة مناسبة، بما في ذلك الملاحقة الجنائية في إطار محاكمات عادلة.
وفي موقف لافت، دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى وقف بيع ونقل وتحويل الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية إلى أي طرف، حيث يوجد خطر واضح من استخدامها أو تسهيلها لارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
كما دعا إلى تقديم تمويل فوري للعمليات الإنسانية التي تتعامل مع النزوح والاحتياجات الطبية واحتياجات الأمن الغذائي الناجمة عن النزاع.
لبنان بين هجمات إسرائيلية وتوتر اجتماعي
ويرى التقرير أن وقف إطلاق النار الحالي لا يزال هشًا، ويدعو إلى تحويله إلى وقف دائم للأعمال العدائية، واستخدامه كأساس لتحقيق سلام مستدام، مع التشديد على ضرورة ضمان عودة النازحين إلى ديارهم بأمان، ودون خوف من تجدد القتال.
ويخلص التقرير إلى عدة مؤشرات رئيسية، أبرزها تصاعد الخسائر البشرية، واتساع نطاق النزوح، إلى جانب تدهور متزايد في حماية المدنيين.
كما يُظهر من جهة أخرى تآكل قواعد الاشتباك التقليدية بين إسرائيل وحزب الله، مع تكثيف استهداف المدنيين والبنية التحتية، في ظل ضعف الحماية الدولية.
وعلى الصعيد الداخلي، تتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية مع تزايد الضغط على الموارد والخدمات، إلى جانب بروز أوجه تمييز ضد النازحين.
إجمالًا، يعكس تقرير الأمم المتحدة حول الوضع في لبنان صورة مقلقة لنزاع يتجاوز حدوده العسكرية التقليدية، ويمتد إلى عمق المجتمع مع تحذيرات من احتمال تفاقم الأزمة إلى مستويات يصعب احتواؤها.