العقيد الركن م. ظافر مراد, (دفاع العرب)
فقدت القوى العُظمى في الحروب الحديثة الرغبة والقدرة على تحقيق إنتصارات كاملة من خلال الحسم العسكري، فلم تعد هذه الحروب تُخاض بهدف القضاء الكامل على الخصم كما كان الحال في الحروب الكلاسيكية، حين كان الانتصار يُقاس بعدد المدن المحتلة، أو بحجم الخسائر العسكرية، أو بإجبار العدو على الاستسلام العلني. لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الحرب أداة لإعادة تشكيل الخصم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ونفسيًا، بما يتناسب مع البيئة الاستراتيجية التي يريدها المنتصر، لا مع الواقع الذي كان قائمًا قبل اندلاع المعركة.
يطرح هذا الواقع سؤالًا مركزيًا: لماذا لم تعد الهزيمة الكاملة هدفًا؟
تكمن الإجابة على هذا السؤال في مجموعة من الحقائق والمسلمات التي يجب أن يدركها القادة وصناع القرار السياسيين والعسكريين، كي لا يقعوا في أخطاء كارثية تنتج واقعًا أكثر سوءًا وأكثر مأساوية. في الماضي، كانت الحروب الشاملة ممكنة لأن البيئة الدولية كانت تسمح بتدمير الدول وإعادة احتلالها بالكامل. أما اليوم، فهناك عوامل تجعل القضاء الكامل على الخصم خيارًا مكلفًا وخطرًا، ويعود ذلك إلى متغيرات في البيئة الدولية تتعلق بالترابط الاقتصادي العالمي، الخشية من الفوضى المتنقلة والعابرة للحدود، صعود الحروب غير المتماثلة، انتشار الفاعلين غير الحكوميين، خطورة الفراغ الأمني، التحوُّل في مفهوم الردع والعقاب، عدم القدرة على تحمل اللا إستقرار الإقليمي والدولي.
لذلك، أصبحت القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، تبحث عن صيغة أكثر ذكاءً وأقل كلفة، فبدلًا من إنهاء الخصم يتم إعادة برمجته وصقله، أي تحويله من تهديد استراتيجي إلى كيان مُقيّد الحركة، قابل للاحتواء، أو ربما مفيد ضمن النظام الإقليمي الجديد.
كانت الحرب في الماضي تنتهي عند إنتهاء العمليات العسكرية. أما اليوم، فإن الحرب الحقيقية تبدأ غالبًا بعد توقف القتال، لأن إسقاط القوة العسكرية للخصم لم يعد هدفًا مجديًا بحد ذاته، بل أصبح عاملًا مساعدًا مع عوامل أخرى مساهمة في الوصول إلى الغايات النهائية المطلوب تحقيقها، فالقوة الكبرى أو الطرف المنتصر لا يسعى دائمًا إلى إزالة العدو من الوجود، بل إلى إعادة تشكيله بصورة تجعله أقل خطورة وأكثر قابلية للاحتواء، أو حتى جزءًا من نظام إقليمي جديد يخدم توازنات المنتصر ومصالحه، ويعود السبب في اعتماد هذه الإستراتيجية، إلى تراجع فعالية القوة العسكرية في الصراعات الكُبرى، لا سيما تلك المرتبطة بقضايا أيديولوجية وخلفيات تاريخية، والتي توفِّر قدرة على الصمود والبقاء أكثر من أي عامل آخر.
إن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس الإنجازات العسكرية، بل عدد الحقائق الجديدة التي تفرضها بعد وقف القتال. فالحرب لم تعد حدثًا عسكريًا معزولًا، بل أصبحت عملية هندسة شاملة للواقع الجيوبوليتيكي. وهذا التحول يعكس انتقال العالم من مفهوم “حسم المعركة” إلى مفهوم “إعادة تصميم البيئة الاستراتيجية”. ويتم ذلك من خلال إعادة تشكيل طبيعة وهوية الدولة الخصم نفسها، عن طريق تغيير: تحالفاتها، عقيدتها العسكرية، إقتصادها، بنيتها الاجتماعية، وعيها الجماهيري، ويتم ذلك باستخدام الإقتصاد، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، والعقوبات، والحرب السيبرانية، وإدارة الرأي العام وتسويق الروايات، والهندسة الديموغرافية. لقد أصبح بالإمكان إعادة صياغة سلوك المجتمعات دون احتلال كامل، وإعادة توجيه القرار السياسي دون إسقاط الدولة رسميًا. قد تعتقد بعض الدول أنها انتصرت عسكريًا، أو أنها نجت من الهزيمة، لكنها ستكتشف لاحقًا أنها تحولت إلى نسخة معدّلة خاضعة لوقائع جديدة فُرضت عليها تحت ضغط النار والإنهاك والانهيار الاقتصادي والتبدلات النفسية الاجتماعية.
تعمل الحرب الحديثة على عدة مستويات تتمثَّل بما يلي:
إعادة تشكيل القرار السياسي للخصم، فبدلًا من إسقاط النظام، يتم دفعه لاتخاذ قرارات جديدة تحت الضغط العسكري. فالضربات العسكرية تهدف إلى تغيير سلوك الدولة، فرض خطوط حمراء جديدة، تعديل العقيدة السياسية، إعادة رسم شبكة التحالفات.
إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية، من خلال العقوبات، الإستهدافات الدقيقة للعقد والروابط الإقتصادية، تدمير البنية التحتية، الحصار المالي، وهذه تعتبر جزءًا أساسيًا من الحرب الحديثة، تهدف إلى إنهاك الاقتصاد، تغيير أولويات الإنفاق، دفع المجتمع نحو إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والرفاهية، خلق تبعية اقتصادية جديدة.
إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، فالحرب الحديثة تستهدف الإدراك الشعبي والوعي الجماهيري بقدر ما تستهدف الميدان، ويتم هذا الإستهداف عبر الإعلام، الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل، الصور، التسريبات، والحرب النفسية. جميعها أدوات تستخدم لإعادة بناء صورة الواقع داخل تفكير المجتمع، وخلق الشكوك بجدوى الحرب وعدالة القضية، فتصبح المعركة مواجهة في التفاصيل والسرديات والروايات التي تضع الخصم في دوامة من الغموض واللاثقة، ويصبح الجهد الرئيسي للنظام، موجه نحو ضبط الداخل ومحاولة البقاء في بيئة غير مستقرة.
إعادة تشكيل الجيوبوليتيك وإنتاج خريطة توازنات جديدة، وهذا يطال الدول في محيط الصراع، فالمنتصر يعمد عادةً إلى إقفال الثغرات الجيوسياسية، إعادة توزيع الأدوار، خلق مناطق عازلة، فرض معادلات أمنية مناسبة، وضع تقييدات صارمة، وصياغة علاقات وقواعد جديدة لتكريس الهيمنة والنفوذ.
لقد أصبح شكل السلام الذي يلي الحرب أكثر أهمية من شكل الحرب نفسها. فالمنتصر لا يريد فقط إنهاء المعركة، بل يريد فرض واقع جديد طويل الأمد يمنع عودة التهديد مستقبلًا، أو يضمن إنتاج تهديد مضبوط ومسيطر عليه ضمن قواعد جديدة تعيد تشكيل البيئة التي سيعيش فيها هذا الخصم لعقود لاحقة. وهذا ما يجعل الحرب الحديثة مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا طويل الأمد أكثر من كونها مواجهة عسكرية قصيرة. من هنا، فإن بعض الحروب لا تنتهي فعليًا، بل تتحول إلى بيئات دائمة لإعادة إنتاج النفوذ، وبدلًا من إحتلال الأرض يتم إحتلال مستقبل الدول وحرية خياراتها وقرارتها.