هشام جعفر (360)
حين نتحدّث عن الهيمنة، تنصرف الأذهان غالباً إلى ما يُرى ويُسمع: الطائرات فوق دمشق، والصاروخ المعترِض فوق تل أبيب، وآلاف الضحايا المدنيين، وتدمير البشر والحجر والبنية التحتية، واغتيال قائدٍ في عاصمةٍ بعيدة. هذه هي القوة في صورتها المباشرة الفجّة، وهي التي عادة ما تشغل التحليلات للحرب الأمريكية‑ الإسرائيلية على إيران (28 فبراير– 2026). غير أنّ ثمّة طبقةً من الهيمنة أعمق وأبطأ وأطول عمراً، لا تظهر في نشرات الأخبار؛ لأنها لا تنفجر ولا تُغتال؛ إنها الطبقة التي تتشكّل في دفاتر الميزانيات، وفي بنية أسواق رأس المال، وفي مَن يكتب معايير حماية البيانات في السحابة الإلكترونية، وفي خرائط الممرات التجارية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري، الذي ينتظم هذه السلسلة كلّها: إذا كانت إسرائيل قد ربحت معاركها التكتيكية، فهل ربحت موقعها البنيوي في الاقتصاد السياسي العالمي والإقليمي؟ أم أنّ البنية ذاتها هي كعب أخيلها الذي لم نُحسن النظر إليه؟
إنّ المفارقة التي تستعصي على الفهم المتسرّع أن تبدو إسرائيل في لحظةٍ واحدة، في ذروة قوّتها العسكرية وحضيض شرعيتها معاً؛ أن تكون قادرةً على تفكيك جيوش خصومها واغتيال قياداتهم، وعاجزة في الوقت ذاته، عن أن تنتزع قبول جارٍ واحد، أو أن تكتب قاعدةً واحدة من قواعد النظام الإقليمي الجديد. ولا يمكن استيعاب هذا التناقض الظاهري، دون أن ندرك أنّ القوة والشرعية لا تسيران دائماً معاً، بل قد يلتهم أحدهما الآخر، وأنّ الحجم ليس سلطة، والتفوّق ليس قيادة، والحضور ليس اندماجاً.
وهذه السلسلة تقترح، أنّ مفتاح الفهم لا يكمن في القوة وحدها، بل في علاقتها بانقسام البنية الداخلية الإسرائيلية. فالعادة المنهجية الراسخة أن نتعامل مع إسرائيل بوصفها كتلةً صمّاء، عقلاً استراتيجياً واحداً، يقيس مصالحه بحسابٍ بارد، بينما الأقرب إلى الحقيقة أنها فاعلٌ متصدّع: دولةٌ يشقّها صراعٌ مؤسسيٌّ بين سلطاتها، وانقسامٌ أعمق بين كتلةٍ علمانيةٍ‑ تكنوقراطية أسّست الدولة، وكتلةٍ دينيةٍ‑ استيطانية صاعدةٍ تمسك اليوم بالقرار. وهذا الصدع، كما سنرى عبر مقالات السلسلة الخمس، ليس شأناً داخلياً منفصلاً عن “الهيمنة”، بل هو أحد المحرّكات الخفية التي يفسّر من الداخل، لماذا تأخذ هذه الهيمنة شكلها الهشّ المتمايز في كلّ حقلٍ من حقولها؟
ولأنّ القوة في عالمٍ مُعقّد لم تعد تُقاس بحجم الدولة، بل بوظائفها الموزّعة، فإننا نبدأ من سؤالٍ صاغته الاقتصادية السياسية البريطانية سوزان سترينج ببلاغةٍ نادرة: ما السلطة الحقيقية؟ تجيب سترينج، بأنها ليست “القدرة على اللعب جيداً داخل قواعد اللعبة”، بل “القدرة على تشكيل قواعد اللعبة ذاتها، التي يضطرّ الآخرون للحركة داخلها” (Strange -1988). الأولى سلطةٌ علائقية؛ وهي أن تُرغم خصماً بعينه على فعلٍ بعينه. والثانية سلطةٌ بنيوية، وهي أن تتحكّم في الإطار الذي تجري فيه كلّ العلاقات، فتصنع البيئة، التي يتنفّس فيها الجميع. ومن يملك السلطة البنيوية، لا يحتاج إلى إصدار الأوامر، لأنه يكون قد رسم سلفاً حدود ما هو ممكن، وما هو مُكلِف وما هو مستحيل.
والسؤال الذي يقودنا في هذا المقال الأول: في أيٍّ من البنى الكبرى للاقتصاد العالمي- المال، الإنتاج، الأمن، المعرفة والتكنولوجيا- تملك إسرائيل سلطةً تشكيليةً حقيقية، وفي أيِّها هي مجرّد لاعبٍ بارعٍ داخل قواعدَ كتبها غيرها.
من حيث يبدو التفوّق أكثر إبهاراً
لنبدأ من حيث يبدو التفوّق الإسرائيلي أشدّ بريقاً. فوفق تقرير سلطة الابتكار الإسرائيلية لعام 2025، بلغ ناتج قطاع التكنولوجيا الفائقة نحو 317 مليار شيكل في 2024، أي ما يعادل 17.3% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قفزت حصّة القطاع من إجمالي الصادرات إلى 57.2% في النصف الأول من 2025، وهي أعلى نسبةٍ مسجّلة في تاريخ الدولة. بلغت صادرات القطاع 78 مليار دولار، وتتصدّر إسرائيل العالم في الإنفاق المدني على البحث والتطوير كنسبةٍ من الناتج (أكثر من 5%، متجاوزةً كوريا الجنوبية والولايات المتحدة)، وتحتلّ المرتبة الخامسة عالمياً في تمويل الشركات الناشئة بعد سان فرانسيسكو ونيويورك ولندن وبوسطن (سلطة الابتكار الإسرائيلية- 2025).
غير أنّ قراءة هذه الأرقام بوصفها دليلاً على “هيمنةٍ بنيوية” تقع في خطأٍ منهجيٍّ جسيم: فهي تخلط بين حجم القطاع وسلطته التشكيلية. القطاع ضخمٌ نسبةً إلى اقتصاد إسرائيل الصغير، لكنّ الضخامة النسبية ليست سلطةً بنيوية بمعنى سترينج. والأخطر أنّ خلف الواجهة المضيئة “ركود هيكلي” حذّرت منه سلطة الابتكار نفسها: التوظيف ثابتٌ عند 11.5% من القوى العاملة، وتراجع عدد العاملين في البحث والتطوير 6.5% للمرة الأولى منذ عقد، فيما هبط عدد الشركات الناشئة المؤسَّسة سنوياً إلى نحو 400 شركةٍ في 2024، أي ما يقارب نصف المتوسط التاريخي (سلطة الابتكار الإسرائيلية- 2025). فالعمود الفقري متينٌ، لكنّه عمودٌ فقري، لا جسدا كاملا، ويُظهِر منذ الآن علامات إجهادٍ في فقراته العليا.
ولا تُفهم علامات الإجهاد هذه على حقيقتها ما لم نربطها بالصدمة الداخلية، التي سبقت الحرب، وهيّأت لها، وهي أزمة “الإصلاح القضائي” التي أطلقتها الحكومة الأكثر يمينيةً ودينيةً في تاريخ إسرائيل مطلع 2023، حين سعت إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا وإخضاع تعيين القضاة للأغلبية السياسية (الكنيست الإسرائيلي-2023). لم تكن تلك أزمةً دستوريةً معزولةً عن الاقتصاد، بل كانت أولَ زلزالٍ يضرب الثقة، التي يقوم عليها القطاع التكنولوجي بالذات؛ إذ خرج مئاتٌ من قادة شركات التقنية ومؤسّسي صناديق رأس المال المخاطر في تحذيراتٍ علنيةٍ، من أنّ ضرب استقلال القضاء يهدم البيئة المؤسسية التي تجتذب الاستثمار، وأعلنت شركاتٌ ناشئة نقل مقارّها واحتياطياتها النقدية إلى الخارج، وسُجّلت موجة تحويلاتٍ ماليةٍ للخارج رصدها بنك إسرائيل بقلقٍ صريح (بنك إسرائيل- 2023). أي أنّ “الفقرات العليا” التي تُظهر الإجهاد بدأت تتصدّع قبل صاروخٍ واحدٍ من صواريخ القسام، ومن الداخل؛ من صراعٍ بين كتلةٍ علمانيةٍ‑ تكنوقراطية ترى في المؤسسات الليبرالية شرطَ بقاء “أمة الستارت‑ أب”، وكتلةٍ دينيةٍ‑ قومية ترى فيها عائقاً أمام مشروعها. الصدع هنا ليس خلفيةً للاقتصاد، بل فاعلٌ فيه.
العقدة شبه اللا غنى عنها: الأمن السيبراني ومأزق “المصنع البشري”
ثمّة حقلٌ واحدٌ تستطيع فيه إسرائيل، أن تطالب فعلاً بسلطةٍ بنيويةٍ بالمعنى الذي قصدته سترينج، وهو الأمن السيبراني. ففي 2024، بلغ التمويل الخاص لشركات الأمن السيبراني الإسرائيلية مستوىً يعادل 40% من حجم السوق الخاصة لهذا القطاع في الولايات المتحدة كلها، وهي السوق التي تمثّل بدورها الجزء الأكبر من السوق العالمية (Startup Nation Central-2025). جمعت هذه الشركات بين 3.8 و4 مليارات دولار، أي ما يقارب ثلث إجمالي تمويل القطاع التكنولوجي الإسرائيلي، مع أنها لا تشكّل سوى 7% من شركاته؛ وتحتضن إسرائيل ضمن مراكز بحثٍ وتطويرٍ محلية سبعاً من أكبر عشر شركات أمنٍ سيبرانيٍّ في العالم، بإجمالٍ يتجاوز خمس مئة شركةٍ سيبرانيةٍ ناشطة.
بلغت هذه العقدة ذروتها الرمزية في صفقتين تاريخيتين: استحواذ Google على شركة Wiz في مارس 2026 مقابل 32 مليار دولار نقداً- أكبر صفقة استحواذٍ في تاريخ إسرائيل التكنولوجي، وفي تاريخ Google معاً، واستحواذ Palo Alto Networks على CyberArk مقابل 25 مليار دولار، الذي أُغلق في فبراير 2026 (GovCon Wire-2026).
والدلالة هنا تتجاوز الأرقام؛ فبهذا المستوى من التمركز، لم تعد إسرائيل مجرّد “نقطة” تمرّ عبرها التدفّقات، بل صارت في حدودٍ ضيّقة، تُسهم في كتابة بعض قواعد اللعبة لا مجرّد اللعب بها- أي في صياغة معايير حماية البيانات السحابية، التي تعمل داخلها منصّات AWS وAzure وGoogle Cloud. وهنا وحده يلامس الادعاء البنيوي شيئاً من الحقيقة.
ولا يُفهم هذا التفوّق بمنطق “السوق الحرّة” وحده، بل بما تسمّيه أدبيات الاقتصاد السياسي “الخط العسكري‑ الصناعي”، فالوحدة 8200 للاستخبارات الإشاراتية كانت الحاضنة شبه المخصخصة، التي تخرّج فيها مؤسّسو معظم الشركات الكبرى، من Check Point إلى Wiz؛ ونظام التجنيد الإلزامي يحوّل البنية العسكرية إلى مصنعٍ لإنتاج المهارات والمنتجات السيبرانية، التي تتدفّق لاحقاً إلى الأسواق الغربية. وهنا بالضبط يتسلّل الصدع الداخلي إلى عصب الميزة البنيوية الوحيدة لإسرائيل، فهذا “المصنع البشري” قائمٌ كلّه على عقدٍ اجتماعيٍّ مضمونه أنّ الجميع يخدمون، وهو العقد الذي يقضمه الانقسام الديني‑ العلماني من جذره. إذ ظلّ مجتمع الحريديم (اليهود المتشددون)، الذي بات يشكّل نحو 13% من السكان وأسرعهم نمواً، معفى من التجنيد الإلزامي عقوداً، حتى قضت المحكمة العليا في يونيو 2024، بأنّ الإعفاء بلا سندٍ قانوني، وأنّ على الدولة تجنيد طلاب المدارس الدينية ووقف تمويل المتهرّبين (المحكمة العليا الإسرائيلية- 2024).
أشعل هذا القرار أزمةً ائتلافيةً خانقة، لأنّ الأحزاب الحريدية- شريكة الحكومة- تعدّه خطاً أحمر وجودياً. والمفارقة، أنّ القطاع الذي يُنتج العقول السيبرانية يستنزف رأس ماله البشري في حروبٍ متلاحقة باحتياطٍ علمانيٍّ متعَب، بينما تتوسّع كتلةٌ سكانيةٌ متسارعة النمو خارج هذا المصنع البشري كلياً.
غير أنّ عقدة الأمن السيبراني على حقيقتها، تبقى “شبه” لا غنى عنها في الشبكة الأوسع لا أكثر، فهي تضيق على فئةٍ محدّدةٍ جداً من سوق الأمن السيبراني، ولا تمتدّ إلى البنى التحتية للإنترنت، ولا إلى خوارزميات البحث، ولا إلى المعايير الأساسية للذكاء الاصطناعي. إنها تفوّقٌ في غرفةٍ واحدةٍ من قصرٍ كبير، لا ملكيةٌ للقصر؛ وهي غرفةٌ يتآكل أساسها البشري من تحتها.
حيث تتعثّر السلطة: الرقائق ورأس المال التابع
ما إن نغادر غرفة السيبرانية، حتى تتكشّف هشاشة الادعاء البنيوي. كان مصنع Intel للرقائق في كريات جات، المُعلَن عنه في ديسمبر 2023 باستثمار 25 مليار دولار ومنحةٍ حكومية قياسية بلغت 3.2 مليارات دولار، يُفترض أن ينقل إسرائيل نقلةً نوعيةً في سلسلة أشباه الموصلات العالمية. لكنّ Intel أوقفت البناء جزئياً منذ يونيو 2024 بفعل أزماتها المالية، وتحوّل المشروع بحلول 2025 إلى تجميدٍ فعليٍّ، طال حتى المصنع القائم عبر موجة تسريحات (Intel -2025). والنتيجة أنّ الموقع “السلسلي” لإسرائيل في الرقائق ظلّ هامشياً، لا يقترب من السلطة البنيوية، التي تملكها تايوان أو كوريا الجنوبية في هذا الحقل بالذات.
أمّا في رأس المال المخاطر، فالأرقام لامعةٌ في ظاهرها؛ إذ جمعت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية 11.9 مليار دولار في الأرباع الثلاثة الأولى من 2025، بزيادة 18% عن العام السابق. لكنّ البنية تحت هذه الأرقام تفضح ما يمكن تسميته “الاندماج التابع”: فمسار “الخروج” المهيمن ليس الاكتتاب المستقل، الذي يبني منظومةً سياديّة، بل الاستحواذ الأمريكي، الذي يبتلع الوحدة الإسرائيلية داخل سلسلة قيمة أمريكية، وقد شارك مستثمرون أمريكيون في نحو 62% من صفقات 2025 (IVC -2025).
وبتعبيرٍ دقيق: إسرائيل تنتج “وحداتٍ تكنولوجية” عالية الجودة تَدخل المنظومة الأمريكية، لا منظومةً مستقلةً تنافسها. من يشتري Wiz؟ Google. ومن يشتري CyberArk؟ Palo Alto. هنا تتجلّى المفارقة الأولى، وهي أنّ قمّة النجاح الإسرائيلي هي ذاتها لحظة استيعابه داخل غيره. ويزيد الصدع الداخلي هذا الميل عمقاً من زاويةٍ خفية؛ فحين يفقد رأس المال والكفاءات الثقة في استقرار المؤسسات المحلية، يصبح “الخروج” نحو الحضن الأمريكي ليس خياراً تجارياً فحسب، بل ملاذاً من عدم اليقين الداخلي، أي أنّ الانقسام المؤسسي يُسرّع تبعية المنظومة لا استقلالها.
البنى الثلاث الغائبة: المال والإنتاج والأمن
إذا انتقلنا من بنية المعرفة إلى البنى الثلاث الأخرى عند سترينج، تتلاشى دعوى السلطة البنيوية تماماً. ففي بنية المال، الشيكل ليس عملة احتياطٍ لا عالمياً ولا حتى إقليمياً، وبورصة تل أبيب أقرب إلى قمرٍ يدور في فلك ناسداك- مؤشر شركات التقنية في وول ستريت- منها إلى مركزٍ ماليٍّ مستقل. وفي بنية الإنتاج، الصناعة الإسرائيلية المتقدّمة مندمجةٌ في سلاسل أمريكية يقودها لاعبون كبار مثل Intel وGoogle وMicrosoft وNvidia، وجميعهم فاعلون مركزيون داخلها- أي أنّ إسرائيل عقدةٌ متقدّمة، لكنها ليست كاتبةً لقواعد الإنتاج.
وفي بنية الأمن، تعتمد إسرائيل على المظلّة الأمريكية اعتماداً يكاد يكون وجودياً (أكثر من 130 مليار دولار مساعداتٍ منذ 1948)، فهي مستفيدةٌ من السلطة البنيوية الأمريكية لا صاحبةٌ لسلطةٍ بنيويةٍ خاصة.
وقد يُقال هنا: ماذا عن الغاز الطبيعي، وممرّ الهند‑ الشرق الأوسط‑ أوروبا، واتفاقيات إبراهام، أليست هذه أوراق سلطةٍ بنيوية؟ والجواب أنّ هذه كلها أوراقٌ إقليميةٌ ووظيفية، لا أوراقٌ بنيوية عالمية بمعنى سترينج المالي‑ الإنتاجي. فصفقة الغاز مع مصر- على ضخامتها- هي اعتمادٌ إقليميٌّ متبادل، لا سلطة تشكيلية عالمية، والتجارة الإسرائيلية‑ الإماراتية رغم قفزتها من 200 مليون دولار في 2020 إلى 3.24 مليارات في 2024 (Heritage Foundation-2025) تظلّ أقل من 1% من التجارة الخارجية الإسرائيلية. وسنرى في المقال الثالث من هذه السلسلة كيف تنكشف هشاشة هذه الأوراق الإقليمية بالذات تحت اختبار الحرب، حتى لا نخلط بين الموقع البنيوي العالمي والموقع الإقليمي.
اختبار الحرب: مفارقة الصمود
جاءت حرب 2026 لتختبر هذه البنية تحت الضغط، فكشفت عن مفارقةٍ، تستحقّ التأمّل. فمن جهةٍ، كانت الكلفة المباشرة باهظة: قدّرت وزارة المالية الإسرائيلية كلفة الحرب بنحو 35 مليار شيكل (11.5 مليار دولار)، وأُغلق مطار بن جوريون أربعين يوماً، وخفّض بنك إسرائيل توقّعات النمو من 5.2% إلى 3.8% (وزارة المالية الإسرائيلية- 2026؛ بنك إسرائيل- 2026). ومن جهةٍ أخرى، صمدت الأسواق صموداً يبدو للوهلة الأولى دليلاً على قوةٍ بنيويةٍ راسخة؛ إذ ارتفع مؤشر تل أبيب 35 نحو 20% منذ مطلع 2026، وصعد الشيكل 7% أمام الدولار، بل أُتمّت صفقة Wiz‑Google تحت القصف (CNBC-2026).
لكنّ “الصمود” هنا لا يمثل سلطةً بنيويةً ذاتية، بل يعكس على وجه الدقّة عمق الاندماج التابع. فربط الشركات الإسرائيلية بناسداك يحميها من الصدمة المحلية؛ لأنها لم تَعُد محليةً تماماً؛ ورهان المستثمرين هو رهانٌ على الراعي الأمريكي لا على إسرائيل بذاتها، إذ أكّد الدخول الأمريكي المباشر في الحرب، أنّ إسرائيل “محميّة” مهما تآكلت شرعيتها؛ ثمّ إنّ جزءاً من هذا الصمود محضُ تحفيزٍ دفاعي، فقد قفزت ميزانية الدفاع من 112 إلى 144 مليار شيكل، ما يضخّ سيولةً في صناعة السلاح والصناعات المرتبطة بالحرب. وهكذا، فإنّ الصمود ذاته- حين نقلب الحجر- شهادةٌ على التبعية لا على الاستقلال؛ إنه صمود العضو الموصول بجهاز التنفّس الصناعي، لا صمود الرئة السليمة.
التآكل البطيء: حين تهاجر العقول
إنّ أخطر ما يلوح في الأفق ليس صدمةً مفاجئة، بل تآكلٌ بطيءٌ في الأصل الاستراتيجي الأساسي، الذي تملكه إسرائيل: العقول. فوفق دراسةٍ لجامعة تل أبيب، غادر نحو 90 ألف إسرائيلي البلاد بين يناير 2023 وسبتمبر 2024، من بينهم 8,300 عامل في التكنولوجيا و3,000 مهندس و633 من حملة الدكتوراه في العلوم؛ والأبلغ دلالةً أنّ الشركات الإسرائيلية باتت تُوظّف اليوم نحو 440 ألف شخصٍ خارج إسرائيل مقابل 400 ألفٍ داخلها (جامعة تل أبيب- 2025). والعقدة في الشبكة التي تهاجر عقولها تكفّ تدريجياً، عن أن تكون عقدة؛ فمن لا يحتفظ بصانعي المعرفة؛ يتحوّل من موقعٍ فاعل إلى مجرّد إحداثيٍّ جغرافيٍّ قابلٍ للنقل.
والدلالة المنهجية الأعمق في توقيت هذه الهجرة لا في حجمها، فهي بدأت في يناير 2023- أي مع انطلاق أزمة الإصلاح القضائي، قبل عامٍ تقريبا من تصاعد الحرب. ليست هذه الهجرة، إذاً، فراراً من الصواريخ فحسب، بل هي في جانبٍ منها تصويتٌ بالأقدام من الطبقة العلمانية‑ التكنوقراطية ضدّ المسار الداخلي الذي تسلكه الدولة؛ تصويتٌ يقول إنّ النخبة التي تُنتج الميزة البنيوية الوحيدة لإسرائيل لم تعد تثق، بأنّ بلدها سيبقى البيئة الليبرالية المؤسسية التي تزدهر فيها.
ويتقاطع هذا التآكل البشري مع تآكلٍ ماليٍّ ومؤسسي. فالتصنيف الائتماني الإسرائيلي هبط إلى أدنى مستوياته تاريخياً، لتجاور إسرائيل اليوم دولاً كبيرة وكازاخستان وتايلاند (Moody’s-2026)؛ والدالّ أنّ وكالات التصنيف لم تُعلّل خفضها بكلفة الحرب وحدها، بل أدرجت صراحةً “إضعاف المؤسسات” ومخاطر الحوكمة الناجمة عن الصراع الداخلي حول القضاء ضمن أسبابها. والصندوق السيادي النرويجي- أحد أكثر المؤسسات تحفّظاً في العالم- سحب استثماراته من 23 شركةً إسرائيلية في أغسطس 2025 (ADL-2025). أمّا الضغط الأوروبي عبر تعليق برنامج Horizon Europe جزئياً، فهو- على هدوئه- ضربةٌ في الصميم لقطاع التكنولوجيا العميقة، الذي يتنفّس من شبكات البحث الأوروبية المشتركة (المفوضية الأوروبية- 2025).
هذه ليست انهياراتٍ مدوّية، بل هي تماماً النوع من “العلامات البطيئة” التي تسبق التحوّل البنيوي وتصنعه؛ فالمؤسسات المحافظة أول من ينسحب، وانسحابها إشارةٌ مبكّرة لتآكل الشرعية الاستثمارية- شرعيةٌ تتآكل من الخارج (العزلة، ومن الداخل (هشاشة المؤسسات) في آنٍ.
خلاصة: اندماجٌ تابعٌ ذو نتوءٍ وظيفيٍّ حاد مهدَّدٌ من قاعدته
حين نَلمّ خيوط هذا المقال، تتكشّف الصورة عن بنيةٍ مزدوجة الطبقة لا عن “«هيمنةٍ” واحدةٍ متجانسة. ففي الطبقة الوظيفية إسرائيل مهيمنةٌ فعلاً وذات سلطةٍ بنيوية حقيقية، لكن في خانةٍ ضيّقةٍ من خانات سلطة المعرفة: الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي العسكري، ومعدّات الاستخبارات ذات الاستخدام المزدوج. وفي الطبقة الهيكلية، إسرائيل تابعةٌ ضمن منظومةٍ أمريكية‑ غربية أوسع، حتى إنّ هيمنتها الوظيفية ذاتها تستمدّ عملاءها وتمويلها وشرعيتها من تلك المنظومة. وعليه، فإنّ الوصف الأدقّ لموقع إسرائيل الاقتصادي‑ التكنولوجي بعد حرب 2023- 2026 ليس “الأمة الناشئة الخارقة” ولا “الكيان المنهار”، بل هو اندماجٌ تابعٌ ذو نتوءٍ وظيفيٍّ حاد.
غير أنّ هذا الوصف يبقى ناقصاً، ما لم نضف إليه ما تكشفه القراءة الداخلية، وهي أنّ هذا النتوء الوظيفي بالذات- المصنع البشري للعقول السيبرانية- مُهدَّدٌ من قاعدته الاجتماعية، لأنّ عقد التجنيد الذي يغذّيه يتفكّك تحت ضغط الانقسام الديني‑ العلماني، ولأنّ النخبة التي تُديره بدأت تصوّت بأقدامها هرباً من صدعٍ مؤسسيٍّ لا تثق به.
الميزة الوحيدة إذاً، ليست راسخةً بل معلّقة بخيطين: خيطٍ خارجيٍّ هو الراعي الأمريكي، وخيطٍ داخليٍّ هو عقدٌ اجتماعيٌّ آخذٌ في التمزّق. وإذا كانت القوة المادية لا تصنع وحدها سلطةً بنيوية، فإنها لا تصنع كذلك شرعية؛ وهذا هو موضوع المقال الثاني من هذه السلسلة: كيف يلتهم كلُّ انتصارٍ عسكريٍّ شرعيةَ إسرائيل.
الهوامش والمصادر
1. Strange, Susan (1988). States and Markets: An Introduction to International Political Economy. London: Pinter Publishers.
2. سلطة الابتكار الإسرائيلية (2025). تقرير حالة صناعة التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل 2024–2025 (State of High-Tech Report). القدس: Israel Innovation Authority.
3. Startup Nation Central (2025). Israel Tech Review 2024 / Cybersecurity Funding Report. Tel Aviv.
4. الكنيست الإسرائيلي (2023). تعديلات القانون الأساسي ضمن خطة التعديلات القضائية (إلغاء معيار المعقولية)، يوليو 2023.
5. بنك إسرائيل / Bank of Israel (2023). رصد تدفقات رأس المال إلى الخارج إبّان أزمة التعديلات القضائية.
6. المحكمة العليا الإسرائيلية (2024). القرارات بشأن وجوب تجنيد طلاب المدارس الدينية ووقف تمويل الإعفاءات، 2024.
7. GovCon Wire / FinancialContent (2026). تقرير إغلاق صفقة CyberArk–Palo Alto Networks، فبراير 2026.
8. Intel Corp. (2025). إفصاحات الشركة حول مشروع كريات غات وتسريحات المصنع القائم.
9. IVC Research Center (2025). بيانات رأس المال المخاطر والاندماج والاستحواذ في القطاع التكنولوجي الإسرائيلي 2025.
10. Heritage Foundation (2025). متتبّع التجارة الإسرائيلية–الإماراتية، نقلاً عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، 14 يوليو 2025.
11. وزارة المالية الإسرائيلية (2026). تقديرات كلفة الحرب على إيران، نقلاً عن Times of Israel، إبريل 2026.
12. بنك إسرائيل/ Bank of Israel (2026). مراجعة توقعات النمو، 30 مارس 2026.
13. CNBC (2026). تقرير أداء بورصة تل أبيب وصفقة Wiz–Google، إبريل 2026.
14. جامعة تل أبيب — آتر، بيرغمان، وزامير (2025). دراسة هجرة الكفاءات من إسرائيل (يناير 2023 – سبتمبر 2024).
15. Moody’s Investors Service (2024–2026). سلسلة تقارير التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل.
16. Anti-Defamation League — ADL (2025). تحليل قرارات الصندوق السيادي النرويجي بشأن الشركات الإسرائيلية، أغسطس 2025.
17. المفوضية الأوروبية / European Commission (2025). التعليق الجزئي لمشاركة إسرائيل في برنامج Horizon Europe، يوليو 2025.