ماهر الشريف (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
أعادت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة طرح طبيعة الصهيونية ومستقبلها على بساط البحث، وساهمت في فضح الأسس التي تقوم عليها باعتبارها إيديولوجية استعمارية إحلالية.
فالمؤرخ الإسرائيلي الشهير توم سيغف قدّر أن الصهيونية "ربما لم تكن في الأصل فكرة جيدة"، معرباً، في حديث أدلى به في مطلع نيسان/أبريل 2025، "عن تشاؤمه العميق حيال نتائج الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومستقبل المجتمع اليهودي الإسرائيلي". أما المؤرخ الإسرائيلي الأميركي عمر بارتوف، أستاذ التاريخ الأوروبي في جامعة براون بالولايات المتحدة والمختص بتاريخ الهولوكست، فقد كان من أوائل المفكرين العالميين الذين وصفوا العمليات الحربية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها "تتوافق بالفعل مع منطق الإبادة الجماعية كما حددته اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1948، وهذا صحيح حتى وإن لم يتقبله معظم الإسرائيليين"، مؤكداً أنه على الصعيد الشخصي، "لم يعد يرى نفسه في الصهيونية المعاصرة"، التي "تتسم بالتفوق اليهودي، والعنصرية، والعنف الإبادي"، وأن إسرائيل "إذا أرادت أن تصبح دولة طبيعية، فعليها أن تتخلى عن الصهيونية"، وأن تصبح دولةً "تضمن المساواة في الحقوق لجميع مواطنيها، سواء كانوا يهوداً أو فلسطينيين". بينما أشار الفيلسوف البلجيكي والناشر ميشيل فيهر إلى أن "الخطر الأكبر الذي يُهدد اليهودية اليوم هو إسرائيل، وبصورة أعمق، الصهيونية"، التي تُشكل "تهديداً وجودياً ليس لليهود فحسب، بل ليهودية الشتات" التي يؤمن بها[1].
الصهيونية تناهض مفهوم الشتات
دفعت حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة قطاعات واسعة ضمن الجاليات اليهودية في الشتات إلى إعادة النظر في موقفها من هذه الدولة. وفي مقابل السردية الصهيونية المهيمنة التي تصوّر إسرائيل "كمركز لليهودية الحديثة ونقطة التقاء لليهود ككل"، و"تجبر كل يهودي في العالم على التماهي مع دولة إسرائيل ودعم سياساتها ضد الفلسطينيين" راح يعود للظهور، بصورة تدريجية، في الشتات تقليد يهودي يؤكد هويته اليهودية وانفصاله عن إسرائيل في آن معاً، وذلك بالاستناد إلى فكرة يهودية قديمة تقول "وطننا حيث نحن".
إن الخلط بين اليهود، من جهة، والإسرائيليين، من جهة ثانية، يسمح للصهيونية بأن تنكر على اليهود المناهضين للصهيونية في الشتات يهوديتهم وانتماءهم إلى اليهودية، بل ويتم اتهامهم "بكراهية الذات ومعاداة السامية". وبحسب سونيا فايمان وبياترس أوريس، وهما من ناشطات "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام"، وكانتا قد أصدرتا كتاباً بعنوان "معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي"، فإن قانون العودة الإسرائيلي لسنة 1950، المرتبط بالمشروع الصهيوني، قد وضع هدفاً له هو "القضاء على الشتات اليهودي ودمجه ضمن الدولة اليهودية، بما يجعل أي يهودي يحصل على الجنسية الإسرائيلية مستوطناً". فالصهيونية، تصر على "نفي المنفى"، وتعتبر أن اليهودي "لا يمكنه تحقيق هويته اليهودية الكاملة إلا بالعيش في إسرائيل"، وترفض "بناء التعددية الثقافية".
وتعتقد هاتان الناشطتان أن الاستعمار الإحلالي، المتأصل في الصهيونية، بإنكاره وجود الفلسطينيين وحقوقهم في وطنهم، "يُعرّض اليهود للخطر في الأراضي التي تُسمى فلسطين الانتدابية وفي جميع أنحاء العالم"، إذ هو "يُساهم في تصاعد معاداة السامية عالمياً بأكثر من طريقة"، وهما تقدران أنه في مقابل تلاعب الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا) بالرأي العام من خلال إشاعة "الاعتقاد بأن دولة إسرائيل تُمثل جميع اليهود"، راحت اليهودية تشهد "نهضة ثقافية متعددة وتجمع مواطنين يهوداً من مختلف البلدان"، يؤكدون تمسكهم "بالهوية اليهودية في الشتات، وتمايزهم عن إسرائيل". وقد شكّل أعضاء الجمعيات اليهودية من عشرين دولة عبر قارات متعددة "شبكة لتبادل الأفكار والتقدم معاً؛ فهم ينقلون أصواتاً يهودية أخرى من الشتات، وينخرطون في بناء هوية شتاتية تُعاش فيها اليهودية حيةً ومتنوعةً من دون الرجوع إلى إسرائيل"[2].
بات من الصعب تصوّر صهيونية "يسارية"
هذا ما يعتقده دنيس سيفرت، المدير السابق لمجلة "بوليتس" ومؤلف كتاب "القضية السيئة: المثقفون والدعاية الإسرائيلية في فرنسا"، الذي يتوقف عند ظاهرة الخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية التي تشهدها فرنسا حالياً، فيرى "أن الخلط بين اليهودية والصهيونية، وبالتالي بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، يكمن في صميم التضليل الإعلامي الذي اجتاح الفضاء العام الفرنسي منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023"، مقدّراً "أن تبديد هذا الخلط وسط توتر الأحداث الجارية، وفي مواجهة السلطات الإسرائيلية والمؤسسات اليهودية في فرنسا التي تُكرّسه باستمرار، ليس بالأمر الهيّن". وهو يُفرّق بين دعاةٍ متشددين، يمثلون "مجرد أبواقٍ لحكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة والجيش الإسرائيلي"، وبين من يُسمّيهم "المؤثرين" من المثقفين اليهود، مثل عالمة الاجتماع إيفا إيلوز والحاخام دلفين هورفيلور، الذين "يُدافعون عن السياسة الإسرائيلية ويسعون لتشويه سمعة مُعارضي الإبادة الجماعية في غزة، مُدّعين في الوقت نفسه التزامهم بمبادئ إنسانية سامية". ففي نظره، لا يتردد هؤلاء المثقفون في مساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية، والادعاء بأن المدافعين عن الفلسطينيين "يسعون إلى إبادة اليهود في فلسطين". وبعد أن يؤكد قناعته بأن فلسطين يجب أن تكون وطناً لليهود والفلسطينيين على حد سواء، وأن "هذا أمر واقع لا ترضى عنه الصهيونية"، يخلص إلى أن الصهيونية التي "ضمت جناحاً تقدمياً واشتراكياً، لا تستطيع تجنب المحاسبة التاريخية في ضوء الوضع الراهن في فلسطين، ويبدو من الصعب جداً، اليوم، تصور صهيونية يسارية"[3].
الزعم أن من "يخون" الصهيونية هو الائتلاف الحاكم حالياً في إسرائيل
من أجل تبييض صفحة الصهيونية، التي ارتبطت بحرب الإبادة الإسرائيلية، يزعم بعض المثقفين اليهود أن الحكومة الإسرائيلية الحالية "تخون" الصهيونية. فبحسب المؤرخ والأكاديمي الألماني مايكل برينر، المتخصص في دراسة الصهيونية، فإن "الخيانة" هي "الكلمة الأنسب لوصف ما يفعله الائتلاف الحاكم في إسرائيل بروح الصهيونية"، وذلك في تعارض مع "ما كان يدور في أذهان الآباء المؤسسين، من مختلف التوجهات السياسية، عندما تخيلوا إنشاء دولة يهودية ديمقراطية".
فتيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية، كان لديه "إحساس مسبق بأن حياة اليهود مهددة كحياة أقلية في الشتات، ولن يشعروا بالأمان إلا في دولتهم"؛ من الصحيح أن نظرته إلى الشرق الأوسط "اتسمت بالغطرسة والتعالي"، لكنه أوضح "أنه لا يريد اضطهاد السكان العرب المقيمين هناك"؛ وعلى الرغم "من كل عيوبه ومفهومه الأوروبي، كان مجتمع هرتزل الجديد محاولةً لتمكين التعايش العادل بين الناس من مختلف الأصول والأديان". وكان دافيد بن غوريون، رئيس الوزراء الصهيوني الاشتراكي، هو من قرأ إعلان الاستقلال الذي نصّ على: "ستضمن الدولة المساواة الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها، دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس، وستضمن حرية المعتقد والضمير، وحرية اللغة والتعليم والثقافة، وستضم تحت حمايتها الأماكن المقدسة، وستبقى وفية لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة"؛ من الصحيح أنه "لم يكن من السهل دائماً على بن غوريون وحكومته الالتزام بهذه المبادئ"، ذلك أن إسرائيل واجهت منذ البدء "هجمات من جيرانها العرب، بينما لم يرَ الفلسطينيون أي مبرر لأن يدفعوا ثمن جرائم ارتكبها أوروبيون"، كذلك وقع بن غوريون في أخطاء، إذ "وضع معظم الفلسطينيين العرب المتبقين في إسرائيل تحت الإدارة العسكرية، التي لم تُرفع إلا سنة 1966، وهو أمر، كما نعلم اليوم، يُعدّ أيضاً عيباً متأصلاً في إسرائيل"، كما عبّر بن غوريون بوضوح عن رأيه "في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967 ، بينما كان لا بد من إعادة هذه الأراضي إذا أرادت إسرائيل أن تبقى دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية". أما فلاديمير زئيف جابوتنسكي، رائد اليمين الصهيوني، فقد دافع "رغم خطابه العدائي والعسكري في كثير من الأحيان، عن دولة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوق متساوية"، بل ذهب، في كتابه الأخير الذي نُشر بعد وفاته بفترة وجيزة سنة 1940 بعنوان "الحرب واليهودي"، إلى حد "منح الأقلية العربية، على أساس دستور نموذجي، ليس فقط الحقوق الفردية نفسها، بل والحقوق الجماعية نفسها التي تتمتع بها الأغلبية اليهودية، التي لم تكن قد تأسست بعد".
بيد أن حكومة بنيامين نتنياهو، المؤلفة من أحزاب يمينية ودينية، انحرفت -كما يؤكد مايكل برينر- عن المبادئ الأساسية التي "وحدت الصهيونية يوماً ما عبر مختلف تياراتها السياسية"؛ هذه المبادئ التي تشمل "فكرة الدولة العلمانية في جوهرها، والقضاء المستقل، والمساواة في الحقوق لجميع المواطنين". فتقييد صلاحيات القضاء الإسرائيلي، وإضعاف مبدأ الفصل بين السلطات، "ليسا أقل أهمية على أجندة هذه الحكومة من تهميش المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يتمتعون نظرياً بالحقوق نفسها، ووضعهم في مرتبة ثانوية - وهي عملية بدأت بالفعل خلال ولاية نتنياهو السابقة بموجب قانون الدولة القومية المثير للجدل لسنة 2018". أما أبرز خروج عن المبادئ الأساسية للصهيونية فهو "التحول التدريجي من مجتمع علماني إلى مجتمع يتأثر بالدين بصورة متزايدة". ويخلص المؤرخ الألماني من هذا كله إلى أنه "ليس الصهيونية ووجود دولة يهودية هما ما يجب إدانتهما، بل خيانة هذه الحكومة لهما باسم الصهيونية"[4].
ويبدو أن مايكل برينر، بغية نجاحه في تبييض وجه الصهيونية، وتسويد وجه الائتلاف الحاكم حالياً في إسرائيل، يلوي عنق الحقائق؛ فتيودور هرتزل هو الذي أعطى إشارة مبكرة إلى عملية الاستيلاء على الأرض، المصحوبة بترحيل سكانها الأصليين، إذ كتب في يومياته بتاريخ 12 حزيران/يونيو 1895: "علينا أن نستولي، بصورة لطيفة، على الملكية الخاصة في الأراضي التي تُرسّم لنا؛ سنسعى لتهجير السكان المعدمين عبر الحدود من خلال تدبير الوظائف لهم في بلاد الانتقال، لكننا سنمنعهم من القيام بأي عمل في بلدنا"؛ أما دافيد بن غوريون، فقد ارتبطت باسمه في آذار/مارس 1948 خطة التطهير العرقي التي عُرفت باسم "خطة دالت"، كذلك هو من بارك، وفقاً لمذكرات يتسحاق رابين، تهجير سكان مدينتَي اللد والرملة في أوضاع إنسانية قاسية في تموز/يوليو من العام نفسه؛ بينما أراد زيف فلاديمير جابوتنسكي، صاحب مقالة "الجدار الحديدي"، دولة يهودية في فلسطين وشرق الأردن على حد سواء، وهو إذ أقرّ بوجود حركة وطنية فلسطينية، فإنه رأى أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق معها، الأمر الذي يفرض على اليهود أن يتملكوا قوة عسكرية، بصفتها الوسيلة الوحيدة لتحقيق هدف الصهيونية، ودفع الفلسطينيين، "المهزومين أو القانعين"، إلى الاختيار ما بين خيارين: أن يصبحوا أقلية قومية تتمتع بالحقوق المدنية وباستقلال واسع ضمن الدولة اليهودية، أو الهجرة الطوعية من البلد وتجسيد حقوقهم القومية خارج فلسطين".
الصهيونية، إيديولوجية استعمارية
خلافاً للمؤرخ مايكل برينر، تؤكد سونيا دايان-هرتزبرون، الأستاذة الفخرية لعلم الاجتماع السياسي في جامعة باريس ديدرو، أن الصهيونية، بأشكالها المختلفة، "كانت ولا تزال أيديولوجية استعمارية نشهد اليوم عواقبها الوخيمة". وبينما ظلت علاقة اليهود بفلسطين حتى العصر الحديث "رمزية، بل وصوفية"، سعت الصهيونية إلى ترسيخ وجودها في واقع جغرافي وسياسي في أواخر القرن التاسع عشر، "مدفوعةً بما يُسمى "الصهيونية المسيحية"؛ حينها، اقترن شكل من أشكال المسيانية بمشروع استعمار فلسطين وتوسيع الإمبراطورية البريطانية". ونشأت صهيونية تيودرو هرتزل السياسية وخلفائه "عند ملتقى عدة تيارات فكرية سادت أوروبا بين القرنين التاسع عشر والعشرين: القومية، واليوتوبيا الاستعمارية، والاستشراق"، وتبلورت وحدة الأمة اليهودية "حول سردية حوّلت الكتاب المقدس إلى نص تاريخي موثوق، متجاهلةً ماضي الأرض التي يُفترض أن تدور فيها الأحداث؛ وبذلك، أصبح التلاعب السياسي بجميع أشكاله ممكناً"[5].
أما مونيك شوميليه-جيندرو، الأستاذة الفخرية للقانون في الجامعة نفسها، فهي ترى أن الإبادة الجماعية في قطاع غزة تمثّل "استمراراً للمشروع الصهيوني والسياسات الإسرائيلية منذ سنة 1948"، ذلك أن وجود السكان الفلسطينيين الأصليين شكّل "معضلةً رئيسيةً للصهيونية منذ بداياتها، إذ هدفت إلى إنشاء مستعمرة استيطانية يهودية في فلسطين". فقد نشأت الصهيونية في عالم يهودي منقسم بشدة إلى فصائل عديدة، وذلك قبل أن تصبح "جزءاً من مشروع الإمبراطورية البريطانية التوسعي واستعمار فلسطين". وقامت الصهيونية "على إنكار ماضي فلسطين وحاضرها"، واعتمدت "على سردية حوّلت الكتاب المقدس إلى كتاب تاريخ". وبرجوعها إلى أهداف المشروع الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر وطوال فترة الانتداب البريطاني، تكشف هذه الأكاديمية الوسائل التي استخدمتها الصهيونية، قبل قيام إسرائيل وبعده، "لحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه" و"الاستيلاء على كامل أرض فلسطين".
وتُبيّن هاتان الأكاديميتان، كل واحدة منهما على طريقتها، بوضوح أن إسرائيل، رغم كل الإنكار، "هي بالفعل مستعمرة استيطانية، وأن الصهيونية كانت، منذ نشأتها، ولا تزال، أيديولوجية استعمارية"[6].
الصهيونية: استعمار إحلالي
من جانبه، يفند بيير ستامبول، المتحدث باسم "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام"، االأسس التي تقوم عليها الصهيونية، فيرى أنها سردية قومية اختلقت قصة خيالية: "اليهود يعودون إلى ديارهم بعد ألفي عام من المنفى"؛ لكن هذه القصة زائفة، ذلك أن "الرجال والنساء الذين انحدروا من يهود دولة يهودا القدماء هم في جوهرهم الفلسطينيون، واليهود في الغالب من نسل أناس اعتنقوا اليهودية في أزمنة ومناطق مختلفة". كما أن الصهيونية هي قومية غريبة "اخترعت الشعب واللغة والأرض" لأن "ما يسمى الشعب اليهودي مفهوم ديني، أما الادعاء بأن يهودياً بولندياً ويهودياً عراقياً ينتميان إلى شعب واحد فهو بناء تاريخي"، وبينما كانت لغات اليهودية موجودة (اللادينو، والعربية اليهودية، واليديشية)، فإن العبرية ظلت حكراً على الاستخدام الديني"، وبشأن الأرض، فقد "كان محظوراً على اليهود المتدينين العودة إلى الأرض المقدسة قبل مجيء المشيح"، وكان اليهود العلمانيون "يطمحون إلى التحرر والمساواة في الحقوق في أماكن إقامتهم".
ويضيف بيير ستامبول أن الصهيونية هي أيديولوجية "قائمة على معاداة السامية، لأن الصهاينة ومعادي السامية يشتركون في الفكرة نفسها: يجب على اليهود مغادرة أوروبا"، وهي استنسخت من القوميات الأوروبية "نموذج الدولة النقية عرقياً، وهو نموذج دموي"، ولم يكن معظم مؤسسي الصهيونية "متدينين"، لكنهم "استخدموا الكتاب المقدس كأداة للغزو الاستعماري، تماماً كسجل الأراضي"، وإلى ديفيد بن غوريون تُنسب عبارة "الله غير موجود، لكنه وهب هذه الأرض للشعب اليهودي". وبموافقة الاستعمار البريطاني ودعمه، "أنشأ الصهاينة دولة حقيقية قبل عقود من الحرب العالمية الثانية، وكمنت وراء هذا الاستعمار العرقي الرغبة في طرد السكان الأصليين، وخلق نوع جديد من البشر، ومحو ألفي عام من التاريخ اليهودي"، وبات من الممكن تلخيص برنامج الصهيونية بعبارة "أكبر مساحة ممكنة وأقل عدد من العرب".
ويخلص ستامبول إلى أن "الإبادة الجماعية المستمرة منذ 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023 هي نتيجة حتمية لهذا الشكل الجديد من الاستعمار". ومع ذلك، لم تختفِ فلسطين، و"يمثل الفلسطينيون 50% من سكان المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط"، بينما تحوّلت إسرائيل، التي "تدّعي الديمقراطية"، إلى "دولة فصل عنصري"، كما وصفتها منظمة العفو الدولية. ويُولد الاستعمار اليوم "شكلاً جديداً من المقاومة: النضال من أجل المساواة في الحقوق"[7].
خاتمة: الصهونية لم تخلق "الملاذ الآمن"
منذ أعوام عديدة، حذر ميشيل فارشافسكي، الناشط المناهض للصهيونية ومدير "مركز القدس للمعلومات البديلة" ومؤلف كتاب "القبر المفتوح: أزمة المجتمع الإسرائيلي"، من أن إسرائيل ستجد نفسها في خطر على المدى البعيد، لأن الصهيونية لم تفلح في تحقيق أحد أهدافها الرئيسية وهو إقامة دولة تشكّل "ملاذاً آمناً" لليهود، ذلك أن اليهود الإسرائيليين "هم الأكثر تعرضاً للتهديد في العالم اليوم".
فإذا كان حل المسألة اليهودية هو "الانعزال خلف جدار، والتطلع إلى المستقبل عبر محاولة جعل هذا الجدار أكثر مناعة"، حتى "باللجوء إلى الأسلحة النووية كملاذ أخير"، فإن المسألة اليهودية لن تكون قد حُلّت "لأننا عاجلاً أم آجلاً سنواجه أعداءً أقوى منا". ويتساءل فارشافسكي: "إلى متى ستعتمد هذه الأقلية الضئيلة على جدار وأسلحتها النووية؟، وذلك قبل أن يجيب: "إن عيشنا سجناء داخل ملجأ نووي، مع إغلاق جميع الأبواب والنوافذ وفتحات التهوية، هو الطريق الأكيد إلى الفناء والموت"[8].
[1] https://www.rtbf.be/article/la-plupart-des-israeliens-refusent-de-reconnaitre-leur-role-a-gaza-l-historien-omer-bartov-qualifie-l-offensive-israelienne-de-genocide-11730973; https://www.courrierinternational.com/article/le-sionisme-n-etait-peut-etre-pas-une-si-bonne-idee-pour-l-historien-israelien-tom-segev;
https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/l-invite-e-des-matins/le-sionisme-de-gauche-est-il-mort-a-gaza-7355309
[2] https://ujfp.org/comment-le-sionisme-instrumentalise-le-concept-de-diaspora/
[3] https://luxediteur.com/peut-on-encore-etre-sioniste-et-de-gauche
[4] https://k-larevue.com/trahison-sionisme/
[5] https://luxediteur.com/catalogue/le-sionisme-une-invention-europeenne
[6] https://luxediteur.com/israel-une-colonie-de-peuplement
[7] https://ujfp.org/le-sionisme-un-colonialisme-de-remplacement/
[8] https://shs.cairn.info/revue-mouvements-2004-3-page-59?lang=fr