تقارير

ماذا بقي من النظام الدولي بعد الحرب على إيران؟

post-img

شاهر الشاهر (الميادين)

لم تكن حرب إيران مجرد جولة جديدة في حروب الشرق الأوسط، لأن أهميتها لا تتوقف عند نتائجها العسكرية أو عند حدود الصراع بين الولايات المتحدة و "إسرائيل" وإيران، بل في أنها وضعت النظام الدولي نفسه أمام اختبار حاد: ماذا تفعل المؤسسات عندما تتعارض القواعد مع مصالح القوى الكبرى، ومن يملك حق تفسير القانون الدولي عندما يصبح الخلاف على الحرب والملاحة والطاقة جزءاً من صراع أوسع على النفوذ؟ 

هذه الأسئلة هي التي تجعل الحرب أبعد من كونها أزمة إقليمية، لأنها كشفت بصورة عملية اتساع المسافة بين النظام الدولي كما يُفترض أن يعمل، والنظام كما يعمل فعلاً.

ما كشفته الحرب بصورة أوضح هو أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على إدارة النظام. الولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأكثر انتشاراً وتأثيراً، لكنها تواجه مشكلة مختلفة عن مشكلة القوة العسكرية نفسها: القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة. 

وفي المقابل، لا تمثل الصين وروسيا بديلاً كاملاً عن واشنطن، لكنهما تملكان أدوات كافية لمنع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها إلى احتكار للقرار الدولي. ومن هنا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة توزيع للقوة منها إلى انتقال بسيط من قوة عظمى إلى أخرى.

حين يصبح مجلس الأمن جزءاً من الأزمة...

أخطر ما كشفته الحرب هو أن أزمة النظام الدولي لا تتمثل فقط في عجز الأمم المتحدة عن إيقاف القتال، بل في صعوبة التوصل داخلها إلى اتفاق حول طبيعة المشكلة نفسها. 

ففي أزمة هرمز، تبنى مجلس الأمن في الـ 11 من آذار/مارس القرار 2817 الذي أدان "الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن"، وكذلك الإجراءات والتهديدات التي تعرقل الملاحة، لكن الخلاف ظهر عندما انتقل النقاش من إدانة التعطيل إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك حق استخدام القوة لتأمين المرور؟

هنا اصطدمت القاعدة القانونية بموازين القوة. الولايات المتحدة وحلفاؤها نظروا إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية تستدعي إجراءات حازمة، فيما عارضت الصين وروسيا مشروعاً يمكن أن يفتح الباب أمام تفويض باستخدام القوة، معتبرتين أن مثل هذا التفويض قد يتحول إلى غطاء لعملية عسكرية أوسع. 

المسألة في جوهرها ليست خلافاً تقنياً حول صياغة قرار، وإنما هي خلاف على من يحدد حدود استخدام القوة ومن يفرض تفسيره للقانون الدولي عندما تكون مصالح القوى الكبرى مباشرة.

هذه نقطة جوهرية في فهم ما يجري. القانون الدولي لم يختفِ، ومجلس الأمن لم يفقد وجوده، لكن قدرته على إنتاج قاعدة مشتركة تصبح محدودة عندما تتصادم مصالح الدول الكبرى. 

عندها يتحول المجلس من أداة لإدارة النزاع إلى ساحة يعكس فيها النزاع نفسه توازنات القوة. ولذلك فإن أزمة النظام الدولي ليست في غياب القواعد بقدر ما هي في غياب القدرة على إنتاج توافق سياسي حول تطبيقها.

لقد جعل مضيق هرمز هذه المشكلة أكثر وضوحاً من أي مؤسسة دولية. فعندما هبط عدد سفن السلع العابرة للمضيق خلال إحدى عطلات نهاية الأسبوع في أيلول/سبتمبر إلى 17 سفينة، مقارنة بمتوسط سابق يقارب 125 سفينة يومياً، لم تعد المسألة تتعلق بأمن منطقة الخليج وحدها، لأن أثر التعطيل امتد إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد. 

ومع تراجع الحركة أيضاً في باب المندب، ظهر بوضوح أن الجغرافيا لم تعد مجرد مساحة تتحرك فيها الجيوش، وإنما أصبحت شبكة من نقاط الاختناق يمكن من خلالها التأثير في الاقتصاد العالمي كله.

وهنا تكمن واحدة من أهم نتائج الحرب: القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بمن يملك الطائرات والصواريخ، وإنما أيضاً بمن يستطيع التحكم في الممرات التي تمر عبرها الطاقة والبضائع والمعلومات. 

هرمز مثال واضح على ذلك، لأنه يحوّل موقعاً جغرافياً محدوداً إلى أداة ضغط تتجاوز حجمه بكثير. وهذه القدرة على تعطيل الشبكات قد تمنح دولة، أقل قوة عسكرياً، وسيلة لفرض تكلفة على خصومها وعلى النظام الاقتصادي العالمي في الوقت نفسه.

الولايات المتحدة لم تفقد قوتها، لكنها تواجه مشكلة مختلفة...

من السهل قراءة حرب إيران باعتبارها دليلاً على تراجع الولايات المتحدة، لكن هذه القراءة تختصر المشهد أكثر مما ينبغي. واشنطن ما زالت تمتلك تفوقاً عسكرياً وشبكة تحالفات وأدوات مالية وتكنولوجية لا تملكها قوة أخرى منفردة، ولذلك فإن القضية الحقيقية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ضرب خصومها، وإنما ما إذا كانت قادرة على إنتاج ترتيبات سياسية مستقرة بعد استخدام القوة.

هذا الفرق بين القوة التكتيكية والقوة الاستراتيجية حاسم. الضربة قد تدمر منشأة أو تعطل قدرة عسكرية، لكنها لا تحدد وحدها شكل النظام الذي سيولد بعد الحرب. 

لهذا تكررت في تجارب دولية سابقة مشكلة أساسية: القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على التحكم في مسارها، والقدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني القدرة على تحديد خياراته السياسية لاحقاً.

كما أن الحرب أظهرت حدود فكرة العزل الكامل. الولايات المتحدة تستطيع فرض عقوبات والضغط على حلفائها، لكنها لا تعمل في نظام مغلق يمكنها فيه التحكم بكل التدفقات الاقتصادية والسياسية. 

الصين وروسيا احتفظتا بقنوات مع إيران، ومصالحهما مع طهران، إضافة إلى تشابكها مع أسواق الطاقة والتجارة، جعلت الضغط الأميركي أقل قدرة على إنتاج عزلة كاملة. وهذا لا يعني أن واشنطن فقدت قدرتها على التأثير، وإنما يعني أن قدرتها أصبحت تعمل داخل شبكة من المصالح المتبادلة لا تستطيع قوة واحدة ضبطها بالكامل.

من هنا يجب الحذر من فكرة «استبدال أميركا بالصين». ما يجري ليس انتقالاً آلياً من مظلة إلى أخرى، ولا يبدو أن دول الخليج مستعدة للتخلي عن علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة لمصلحة الصين، كما أن بكين تبدو غير راغبة في تحمّل كل الأعباء الأمنية التي حملتها واشنطن لعقود. 

الاتجاه الأوضح هو التنويع: علاقات أمنية مع الولايات المتحدة، وشراكات اقتصادية مع الصين، وعلاقات سياسية وطاقة مع روسيا وقوى أخرى. 

هذه ليست علامة على نهاية النظام القديم بقدر ما هي علامة على أن الدول بدأت تتعامل معه بطريقة أكثر براغماتية وأقل اعتماداً على مركز واحد.

الصين تستفيد من هذا الواقع بطريقة مختلفة. قوتها لا تأتي من رغبتها في إعلان قيادة بديلة، وإنما من امتلاكها علاقات متزامنة مع أطراف متعارضة، ومن كونها شريكاً تجارياً رئيسياً لإيران ودول الخليج في الوقت نفسه، فضلاً عن موقعها داخل الاقتصاد العالمي. 

لذلك تستطيع بكين أن تزيد وزنها السياسي من دون أن تستولي على الأدوار التي كانت واشنطن تؤديها. وهذه نقطة مهمة، لأن النفوذ لا يحتاج دائماً إلى سيطرة مباشرة؛ أحياناً يكفي أن تصبح الدولة طرفاً لا يمكن تجاوز مصالحه عند بناء أي تسوية.

ما بعد الحرب ليس نظاماً صينياً ولا أميركياً...

ربما يكون السؤال الخاطئ في المرحلة المقبلة هو: من سيحل محل الولايات المتحدة؟ التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة دائماً. التحولات الكبرى لا تعني بالضرورة اختفاء قوة وصعود قوة أخرى مكانها بصورة كاملة، بل تعني إعادة توزيع الأوزان داخل النظام نفسه، مع تغير قواعد الحركة ومجالات النفوذ.

حرب إيران جعلت هذا التحول أكثر وضوحاً لأنها وقعت في عالم مثقل بأزمات مترابطة: حرب أوكرانيا، اضطرابات البحر الأحمر، التنافس الأميركي - الصيني، التنافس على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وتصاعد أدوار بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. 

لا يعني ذلك أن هذه الأزمات جزء من صراع واحد أو أنها تتحرك وفق خطة مشتركة، لكنها تتقاطع في الاقتصاد والطاقة والأمن والممرات البحرية، ولذلك أصبحت حدودها أقل وضوحاً من السابق.

في القرن العشرين كانت الجبهة العسكرية هي المكان الرئيسي الذي تُقاس فيه نتائج الحرب، أما اليوم فقد تنتقل آثار الحرب من الميناء إلى المصرف، ومن محطة الغاز إلى مصنع الرقائق، ومن سعر التأمين البحري إلى قرار السياسة الخارجية. 

عندما يتعطل هرمز، لا تتضرر إيران أو دول الخليج فقط؛ يتغير حساب الطاقة في آسيا، وترتفع كلفة الشحن في مناطق بعيدة، وتتأثر سلاسل الإمداد، وتعيد دول لا علاقة مباشرة لها بالحرب تقييم احتياطياتها وعلاقاتها وتحالفاتها. هكذا تحولت الحرب من واقعة عسكرية إلى صدمة عابرة للحدود.

النتيجة أن الدولة المتوسطة نفسها اكتسبت هامشاً أكبر للمناورة. لم يعد عليها بالضرورة أن تختار معسكراً كاملاً كما كانت الحال في الحرب الباردة، بل تستطيع توزيع علاقاتها بين القوى الكبرى وفق مصالحها: أمن مع طرف، تجارة مع طرف آخر، وطاقة أو استثمار أو تكنولوجيا مع أطراف مختلفة. هذا لا يلغي الاختلال في موازين القوة، لكنه يقلل قدرة أي قوة واحدة على احتكار خيارات الآخرين.

المشكلة هنا أن العالم لا يملك رفاهية انتظار تسوية كبرى؛ فكل أزمة جديدة تختبر المؤسسات قبل أن تختبر الجيوش، وتكشف سريعاً ما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على إدارة خلافاتها ضمن قواعد مشتركة، أم أن منطق الردع والمصلحة سيظل أسرع من منطق القانون والتفاوض.

لهذا فإن ما بقي من النظام الدولي بعد حرب إيران ليس مؤسسات اختفت، ولا قيادة انتقلت ببساطة من واشنطن إلى بيجين. الذي بقي هو نظام ما زال قائماً، لكنه أصبح أكثر صعوبة في الإدارة وأكثر تعدداً في مراكز التأثير. 

الولايات المتحدة تحتفظ بقدرة عسكرية استثنائية، الصين تملك وزناً اقتصادياً وشبكة علاقات تجعل تجاوزها صعباً، وروسيا تملك أدوات استراتيجية تسمح لها بالتأثير في مسارات لا تتناسب دائماً مع حجم اقتصادها. وبين هذه القوى تتحرك الدول المتوسطة بحثاً عن مساحات أوسع من الاستقلال.

هنا يصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقاً بمن «يحكم العالم» وأكثر تعلقاً بكيفية إدارة عالم لا يستطيع أحد أن يحكمه منفرداً. 

إذا نجحت القوى الكبرى في تطوير قواعد جديدة للتفاوض وتقليل مخاطر سوء التقدير، فقد ينتج النظام المتعدد موازنة أكثر تعقيداً لكنها أكثر قابلية للاستمرار. أما إذا تحولت كل أزمة إلى اختبار جديد للقوة، فقد يصبح تعدد مراكز القوة مصدراً لمزيد من الاضطراب، خصوصاً عندما تتراجع قدرة المؤسسات الدولية على بناء توافق قبل انفجار الأزمات.

حرب إيران لم تسقط النظام الدولي، لكنها كشفت حدوده. كشفت أن القانون يحتاج إلى إرادة سياسية كي يصبح فاعلاً، وأن القوة العسكرية لا تكفي لإدارة النظام، وأن الممرات البحرية والطاقة والتكنولوجيا أصبحت جزءاً من معادلة الأمن العالمي، وأن الدول تستطيع أن تعيد توزيع علاقاتها حتى من دون القطيعة مع القوى الكبرى. 

لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون على الأرجح مرحلة «نظام جديد» مكتمل المعالم، بل مرحلة صراع على قواعد النظام نفسه؛ وفي هذا الفراغ بين عالم لم يعد يعمل بالطريقة القديمة وعالم لم يولد بعد، ستتحدد طبيعة العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.