إياد القطراوي (
غزة - في نقاط تعليمية وفصول موقتة أُقيمت داخل الخيام، يفترش الأطفال الأرض بدلاً من المقاعد، ويفتحون كتبهم في أوضاع بعيدة كل البعد عن أجواء المدرسة التي عرفوها قبل الحرب. تحولت الخيمة والسبورة البسيطة إلى بديل اضطراري عن الصفوف الدراسية، بينما يحاول المعلمون مواصلة الدروس على الرغم من الاكتظاظ، ونقص المستلزمات التعليمية، وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، وقسوة البرد في الشتاء، لتخوض العملية التعليمية هي الأُخرى معركة يومية من أجل الاستمرار.
غير أن التحدي لا يقتصر على توفير مساحة يجلس فيها الطالب، بل يمتد أيضاً إلى محاولة إعادة بناء بيئة تعليمية تمنح الأطفال قدراً من الاستقرار، بعد سنوات من النزوح والخوف والانقطاع. فالطفل الذي يحمل كتابه إلى نقطة تعليمية موقتة، يحمل معه أيضاً سنوات من الفاقد التعليمي، وتجارب الحرب التي تركت آثاراً عميقة في نفسيته وقدرته على التركيز والتعلم.
وفي هذه الفصول، يختلف المشهد بصورة كبيرة عن المدرسة التقليدية؛ فلا مقاعد منتظمة، ولا جدران توفر الخصوصية للحصص، ولا ساحات مدرسية للعب، لكنْ هناك معلمون يحاولون الحفاظ على إيقاع التعليم، وأطفال يتمسكون بالتعلّم في محاولة لاستعادة جزء من حياتهم التي قطعتها الحرب.
وعلى الرغم من قسوة الوضع، تسعى هذه المساحات للحد من انقطاع جيل كامل عن التعليم، عبر تقديم الدروس الأساسية والنشاطات الترفيهية وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، في وقت تعرضت فيه المنظومة التعليمية والبنية المدرسية في قطاع غزة لدمار واسع.
استنزاف بشري وتفكك في المنظومة التعليمية
تعرّضت المنظومة التعليمية في قطاع غزة، وفق تقرير الحالة التعليمية في غزة (2023-2026)[1] الصادر عن وزارة التربية والتعليم في غزة، لخسائر بشرية وديموغرافية واسعة طالت الطلبة والعاملين في قطاع التعليم على حد سواء. وأفادت بيانات التقرير باستشهاد 20,051 طالباً، إلى جانب مغادرة 19,886 طالباً في سن التعليم المدرسي للقطاع، بينما قُتل 769 من العاملين في التعليم، بينهم 532 معلماً.
ولا تقف الخسائر عند الجانب البشري، إذ امتدت إلى البنية التحتية التعليمية التي تعرضت لدمار واسع. وقبل الحرب، بلغ إجمالي عدد المباني المدرسية 309 مدارس حكومية، و182 مدرسة تابعة لوكالة الأونروا، و93 مدرسة خاصة.
وبحسب البيانات ذاتها، دُمّرت كلياً 55 مدرسة حكومية، و30 مدرسة خاصة، و11 مدرسة للتربية الخاصة، فيما تعرضت 12 مدرسة حكومية، و26 مدرسة خاصة، و6 مدارس للتربية الخاصة لدمار كبير. كما لحقت أضرار بليغة بـ 8 مدارس حكومية، ومدرسة خاصة، و4 مدارس للتربية الخاصة، بينما تعرضت 109 مدارس حكومية، و3 مدارس خاصة، و4 مدارس للتربية الخاصة لأضرار تراوحت بين المتوسطة والخفيفة.
وأدى هذا الواقع إلى تعطّل التعليم النظامي في 819 مدرسة وإدارة مدرسية للعام الدراسي الثالث على التوالي، بينها 442 مدرسة حكومية، و284 مدرسة تابعة للأونروا، و70 مدرسة خاصة، و23 مدرسة للتربية الخاصة، وهي المدارس التي كانت تشكل قبل الحرب جزءاً أساسياً من منظومة التعليم النظامي في القطاع.
وترتب على ذلك حرمان نحو 609,751 طالباً وطالبة من الالتحاق المنتظم بالتعليم النظامي، وفق بيانات التقرير.
ولم يقتصر أثر تدمير المدارس على المباني والمنشآت، بل امتد أيضاً إلى المقومات المادية اللازمة لاستمرار العملية التعليمية، من الأثاث المدرسي والإداري إلى التجهيزات التقنية ومستلزمات الإدارة الصفية واليومية. وأدى هذا الفقد إلى نقص حاد في الطاولات والمقاعد، الأمر الذي شكل عائقاً أمام استيعاب الطلبة وتنظيم بيئة تعليمية مستقرة وآمنة. وبذلك أصبحت إعادة تشغيل التعليم مرتبطة، إلى جانب توفير المكان، بتأمين أبسط مقومات الصف، من المقاعد والكتب إلى المياه والكهرباء والمرافق الصحية.
مئات الآلاف من الأطفال يصلون إلى التعليم الموقت
في مواجهة هذا الانهيار، توسعت الاستجابة التعليمية الطارئة عبر إنشاء نقاط ومساحات موقتة للتعلّم، في محاولة لإبقاء الأطفال على صلة بالتعليم والحد من اتساع الفاقد التعليمي.
ووفق بيانات مجموعة التعليم التابعة للأمم المتحدة،[2] كما أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (OCHA) في تقريره الإنساني الصادر في 16 تموز/يوليو 2026، استفاد نحو 435 ألف طفل في سن ما قبل المدرسة والمدرسة في غزة، خلال النصف الأول من عام 2026، من التعلم المنظم عبر 610 مساحات تعليم موقتة، بينهم نحو 9,300 طفل من ذوي الإعاقة. كما حصل نحو 344 ألف طفل على مواد تعليمية أساسية، بينما تلقى 11,023 معلماً وموظفاً تربوياً دعماً وتدريباً ضمن الاستجابة التعليمية الطارئة.
لكن اتساع هذه الاستجابة لا يعني أن أزمة الوصول إلى التعليم قد حُلّت. فقد قدرت اليونيسف،[3] في تقريرها التعليمي الصادر في أيار/مايو 2026، أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً حُرموا من التعليم المدرسي الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام متتالية. كما أفاد التقرير بأن نحو 98% من مباني المدارس تضررت، وأن أكثر من 93% منها تحتاج إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، بينما تعرض نحو 81% منها لضربات مباشرة. وبقي نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة، بلا تعليم حضوري في ذلك الوقت.
التعليم الموقت.. اتساع في العدد وضيق في الإمكانات
وبحسب مدير عام التخطيط في وزارة التربية والتعليم بغزة، منى الصادق،[4] بلغ عدد المساحات التعليمية الموقتة العاملة في القطاع 494 مساحة حتى منتصف آذار/مارس 2026، استوعبت نحو 300,243 طفلاً، أي ما يعادل قرابة 39% فقط من إجمالي الأطفال في سن المدرسة ورياض الأطفال خلال العام الدراسي نفسه. وفي المقابل، ظل أكثر من نصف الأطفال المستهدفين خارج نطاق هذه المساحات، بما يعكس اتساع فجوة الوصول إلى التعليم والحاجة إلى توفير مساحات إضافية تستوعب الأعداد المتزايدة من الأطفال.
ومع توسع الاستجابة، ارتفع عدد المساحات التعليمية الموقتة إلى 626 مساحة بحلول منتصف أيار/مايو 2026، ما وفر وصولاً منظماً إلى التعلم لنحو 58% من الأطفال في سن ما قبل المدرسة والمدرسة. ومع ذلك، ظل أكثر من 40% من الأطفال خارج التعليم المنظم، بينما أفادت OCHA بأن معظم الملتحقين بهذه المساحات كانوا يتلقون، في المتوسط، نحو ثلاث ساعات من التعليم يومياً، ثلاثة أيام في الأسبوع، وهو ما يعكس الفارق الكبير بين التعليم الطارئ والتعليم المدرسي النظامي من حيث الانتظام والمدة والبيئة التعليمية.
وأوضحت الصادق أن مشكلة التعليم داخل الخيام والمساحات الموقتة لا تقتصر على غياب المقاعد والجدران، فبعض هذه المساحات يعمل داخل خيام مخصصة للتعلم، وبعضها الآخر داخل غرف أو مبانٍ موقتة، في وقت تظل فيه القدرة الاستيعابية محدودة، ولا سيما في المناطق التي تشهد كثافة مرتفعة من النازحين.
وأضافت: "تتداخل الأزمة التعليمية مع نقص المواد الدراسية، ومحدودية الكهرباء والمياه والمرافق الصحية، وصعوبة الوصول الآمن إلى نقاط التعليم، فضلاً عن الظروف المناخية القاسية التي تضيف أعباء جديدة إلى العملية التعليمية."
المدرسة الموقتة.. أكثر من مساحة للتعلّم
ومع ذلك، لا تؤدي النقاط التعليمية الموقتة وظيفة أكاديمية فقط، بل تحاول أيضاً إعادة بناء جزء من الروتين اليومي للطفل، ومنحه مساحة للتفاعل والاستقرار بعد سنوات من الحرب والنزوح. وتشمل بعض البرامج نشاطات ترفيهية، وتعليماً اجتماعياً وعاطفياً، ودعماً نفسياً، بما يساعد الأطفال على استعادة شيء من الاستقرار والتفاعل الاجتماعي.
وفي إطار هذه الاستجابة، وُزعت أيضاً حقائب ونشاطات مخصصة للترفيه ونماء الطفولة المبكرة، إلى جانب المواد التعليمية، بهدف دعم التعلم ومساعدة الأطفال على التعامل مع آثار الصدمة. لكن هذا النموذج يواجه سؤالاً آخر يتعلق بالجودة والاستدامة.
وأفاد العديد من المعلمين الذين يعملون ضمن برنامج التعليم الطارئ[5] بأن التعليم الذي يجري في مساحة موقتة، وبساعات محدودة، وفي ظل نقص في المواد والمقاعد والمرافق، قد يكون حلاً ضرورياً لإنقاذ الاتصال بالتعلم، لكنه لا يعادل المدرسة النظامية من حيث الانتظام والبيئة الصفية والخدمات المساندة.
وخلال لقاءات، عبّر العديد من الطلاب والأطفال في غزة[6] عن رغبتهم في العودة إلى مدارس حقيقية لا خيام، مع مقاعد ثابتة، ومياه، ومرافق صحية، ومختبرات، ومكتبات ومساحات للعب، وهي مطالب تعكس الفرق بين التعليم بصفته استجابة طارئة، والتعليم بصفته بيئة متكاملة للحياة والتعلم.
الفاقد التعليمي.. تحدٍّ يبدأ بعد الوصول إلى الصف
ويزداد التحدي تعقيداً مع تراكم الفاقد التعليمي؛ فالمشكلة لم تعد تقتصر على توفير مكان يجلس فيه الطالب، إنما تمتد إلى كيفية تعويض ما فاته خلال قرابة ثلاثة أعوام من الانقطاع والاضطراب.
فالعودة إلى نقطة تعليمية لا تعني بالضرورة عودة الطالب إلى مستواه السابق؛ إذ يحتاج كثير من الأطفال إلى برامج تعويضية وتدخلات تستجيب للفجوات المتراكمة في المهارات الأساسية، إلى جانب الدعم النفسي الذي يساعدهم على استعادة قدرتهم على التركيز والتعلم.
وتشير التقارير الصادرة عن اليونيسف[7] إلى أن الأطفال في سن الدراسة يواجهون اضطراباً طويل الأمد في التعليم، مع فرص محدودة للتعافي ما لم تُنفذ تدخلات تعليمية مستهدفة. كما تكشف نتائج تقييم اليونيسف المتمحور حول الأطفال في غزة أن آثار الأزمة، على الرغم من اختلافها باختلاف أعمار الأطفال وجنسهم، ظلت شديدة وممتدة؛ فالأطفال الأصغر سناً يفتقرون إلى البيئات الآمنة والمحفزة اللازمة لنموهم، بينما يواجه الأطفال في سن الدراسة اضطراباً تعليمياً طويل الأمد، مع فرص محدودة لتعويض ما فاتهم من تعلم من دون تدخلات تعليمية موجهة وفاعلة. أمّا المراهقون، فتتقلص أمامهم فرص التعليم والحماية، بالتزامن مع تزايد تعرضهم لمخاطر الحماية واللجوء إلى آليات تكيف سلبية.
وتعكس هذه النتائج حجم الضرر الذي لحق بالعملية التعليمية، وتحول التعليم من حق أساسي إلى تحدٍ يومي يواجه آلاف الأطفال، ما يجعل التدخلات التعليمية العاجلة والموجهة ضرورة أساسية للحد من آثار الانقطاع الطويل عن التعليم، ودعم الأطفال في استعادة مسارهم التعليمي والنمائي.
جسر موقت.. لا بديل دائم
وبشأن ذلك، يرى مدير عام الإشراف التربوي بوزارة التربية والتعليم، جمال الفليت[8] أن المساحات التعليمية الطارئة تحولت في ظل هذا الواقع إلى جسر بين الانقطاع والعودة؛ فهي محاولة لإبقاء الطفل مرتبطاً بالكتاب والمعلم، ومنع تحول سنوات الحرب إلى فجوة تعليمية دائمة. غير أن هذا الجسر، مهما اتسعت قدرته الاستيعابية، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن المدرسة.
وقال: "إذا كان التعليم الموقت قد نجح في الوصول إلى مئات آلاف الأطفال، فإن الأرقام نفسها تكشف أن مئات الآلاف ما زالوا خارج التعليم المنظم، وأن البنية المدرسية التي يفترض أن تستوعب هذا الجيل ما زالت مدمرة أو متضررة بدرجات كبيرة."
وأشار إلى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في الحفاظ على استمرار التعليم داخل الخيام والنقاط الموقتة فحسب، بل أيضاً في إعادة بناء المدارس، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة وآمنة، وتعويض الفاقد التعليمي، واستعادة حق الطفل في مدرسة حقيقية، لا في مساحة موقتة فقط.
ولفت إلى أنه على الرغم من الأهمية الكبيرة للمدارس الميدانية، والنقاط التعليمية، ومساحات التعلم الموقتة، والحزم التعليمية في الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية التعلم خلال الحرب، فإن هذه البدائل تظل، بطبيعتها، حلولاً إسعافية موقتة نشأت في سياق الضرورة، لا في سياق تخطيط تعليمي مستقر. فهي تمثل جسراً طارئاً يمنع الانقطاع الكامل عن التعليم، لكنها لا تستطيع، بصورتها الحالية، أن تؤدي وظائف المدرسة النظامية كاملة، ولا أن تعوض ما توفره البيئة المدرسية الطبيعية من انتظام، وتدرج، وتفاعل صفي، وتقييم، وحماية، وخدمات مساندة.
وتكمن هشاشة هذه البدائل في أنها تعمل داخل بيئة شديدة التقلب، تتأثر بتكرار النزوح، وتغير أماكن تجمع السكان، ومحدودية المساحات الآمنة، وضعف التجهيزات الأساسية، وارتفاع الكثافة الصفية، والنقص الحاد في الأثاث والوسائل التعليمية، فضلاً عن تفاوت قدرة الطلبة والمعلمين على الوصول المنتظم إلى أماكن التعلم.
وبهذا المعنى، فإن مشهد الأطفال الذين يفترشون الأرض داخل الفصول الموقتة لا يمثل مجرد صورة لأزمة التعليم في غزة، إنما يلخص معركة أوسع من أجل الحفاظ على حق جيل كامل في التعلم، في وقت دُمّر فيه جزء كبير من المكان الذي كان يفترض أن يتعلم فيه. إنها محاولة لإبقاء نافذة التعليم مفتوحة وسط الانقطاع، بانتظار أن تتحول هذه المساحات الموقتة من بديل اضطراري إلى جسر يقود الأطفال مجدداً إلى مدارس آمنة ومستقرة، وإلى منظومة تعليمية قادرة على استعادة ما فقده هذا الجيل.
[1] تقرير الحالة التعليمية في غزة (2023-2026) الصادر عن وزارة التربية والتعليم.
[2] “Humanitarian Situation Report | 16 July 2026”, OCHA, 17/7/2026.
[3]“UNICEF in the State of Palestine Humanitarian Situation Update – Education”, UNICEF, May 2026.
[4] مقابلة مع مدير عام التخطيط في وزارة التربية والتعليم في غزة، منى الصادق.
[5] مقابلات مع معلمين يعملون ضمن برنامج التعليم الطارئ في غزة.
[6] مقابلات مع عدد من الطلبة والأطفال في غزة يدرسون في النقاط التعليمية في الخيام.
[7]“The Gaza Child-Focused Assessment | Insights from Gaza (December 2025 – January 2026)”, UNICEF, May 2026.
[8] مقابلة مع مدير عام الإشراف التربوي في وزارة التربية والتعليم، جمال الفليت.