مصر 360
في تقريره الصادر عقب الاجتماع السنوي للأمن السيبراني لعام 2026 في جنيف، أكد المنتدى الاقتصادي العالمي، على أن العالم يشهد تحولاً جوهرياً في موقع الأمن السيبراني داخل منظومة الاقتصاد العالمي، حيث انتقل خلال عقد من التطورات من كونه وظيفة تقنية مرتبطة بإدارة المخاطر إلى كونه “ضرورة نظامية واقتصادية واستراتيجية”.
ويشير التقرير إلى أن الأمن السيبراني بات مرتبطاً مباشرة باستقرار الدول، وقدرتها على النمو، وحماية بنيتها التحتية الحيوية، في ظرف تتصاعد فيه الصراعات الجيو سياسية، بالتوازي مع توسع البنية الرقمية للحكومات والشركات الدولية.
ويحسم المنتدى توصيفه الجديد بالقول: إن الأمن السيبراني أصبح “ضرورة نظامية واقتصادية واستراتيجية في عالم تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويتسم بالتشظي”، في إشارة إلى أن طبيعة التهديدات تجاوزت نطاق الاختراقات التقنية المحدودة المرتبطة بأفراد أو شبكات إجرامية، وباتت اليوم جزءاً من معادلة الأمن القومي والقدرة الاقتصادية للدول.
ويضيف التقرير أن “المشهد السيبراني يعاد تشكيله بفعل الذكاء الاصطناعي، والتفتت الجيو سياسي، وتعميق الاعتماد المتبادل بين الدول والكيانات الاقتصادية، ما يضاعف الفرص والمخاطر معاً” وهو توصيف يعكس رؤية بأن العالم دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد بصورة غير مسبوقة، وشديدة الارتباط.
تحول تراكمي على مدار عقدين
بحسب التقرير، فإن هذا التحول جاء نتيجة مسار تراكمي، امتد لعقدين. ففي بدايات الألفية، حيث ارتبطت المخاطر السيبرانية بانتشار الإنترنت واتساع استخدام الشبكات الرقمية، لكن نهاية العقد الأول من القرن الحالي شهدت نقطة انعطاف، عندما بدأت الهجمات تصبح “أكثر تنظيماً واستراتيجية” هذا بالتوازي مع التوسع الكبير في مسار رقمنة الحكومات والشركات.
وفى منتصف العقد الماضي، بدأت حلقة جديدة، حيث اتضحت الطبيعة النظامية لهذه المخاطر، بعد أن أظهرت هجمات واسعة النطاق قدرة الهجمات الإلكترونية على “تعطيل البنية التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد العالمية”، وهو ما وسع من إدراك الحكومات والشركات لحجم التهديد.
أما خلال العقد الحالي، فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيداً. يؤكد التقرير، أن “الأنظمة الرقمية المترابطة، والذكاء الاصطناعي، والضغوط النظامية المتزايدة، بما فيها التوترات الجيو سياسية والكوارث الطبيعية والتحولات الاقتصادية بعد الجائحة– فيروس كورونا- أعادت تشكيل المشهد، وجعلت المخاطر السيبرانية منتشرة وقابلة للتوسع، كما باتت مركزية بالنسبة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”.
من تهديد تقني إلى خطر اقتصادي ضخم
من أبرز الرسائل التي حملها تقرير المنتدى أن الأمن السيبراني أصبح ملفاً اقتصادياً بامتياز.
ويشير التقرير، إلى أن القدرة على فهم الأثر الاستراتيجي والاقتصادي للحوادث السيبرانية أثبتت أن غياب أو تراجع الأمن في القطاع يمثل تهديداً اقتصادياً نظامياً كبيراً، وهو ما يفسر انتقاله إلى قلب النقاشات الاقتصادية الدولية.
ولتوضيح ذلك، استشهد المنتدى بهجوم إلكتروني استهدف قطاع السيارات في بريطانيا خلال عام 2025، أدى إلى تعطيل طويل للإنتاج عبر شبكة واسعة من الموردين. وقدر التقرير الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الهجوم بنحو 1.9 مليار جنيه إسترليني، مع تأثير مباشر على النمو الاقتصادي الوطني.
ولا تتوقف آثار هذه الحوادث عند حدود الخسائر المباشرة، إذ يؤكد التقرير، أنها تؤدي إلى “ارتفاع تكاليف التأمين والإنفاق على التعافي، مع تعطيل العمليات، وتآكل ثقة العملاء، وفي بعض الحالات تهديد قدرة الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، على الاستمرار”.
ومن هنا، يخلص المنتدى إلى نتيجة حاسمة: الأمن السيبراني يبرز اليوم كركيزة أساسية للأمن الاقتصادي.
من الامتثال التنظيمي إلى المرونة القابلة للقياس
في مواجهة هذا الواقع، يرصد التقرير تحولاً في أولويات المؤسسات. فبدلاً من الاعتماد على سياسات الامتثال التنظيمي التقليدية، بدأت الشركات، والحكومات تتجه نحو ما وصفه المنتدى بالمرونة القابلة للقياس.
ويشرح التقرير هذا المفهوم، باعتباره انتقالاً من التركيز على عدد الأدوات الأمنية إلى سرعة استعادة الأنظمة لعملها، وحجم الخسائر التي يمكن تجنبها، وقدرة العمليات على الاستمرار تحت الضغط.
كما يشير إلى أن هذا التحول أعاد تعريف دور مسؤولي الأمن السيبراني داخل المؤسسات، فلم يعودوا معنيين بالجوانب التقنية فقط، بل أصبحوا جزءاً من دوائر اتخاذ القرار الاستراتيجي، عبر الربط بين التنفيذ التقني واستراتيجية الأعمال وأولويات مجالس الإدارة.

الحرب في الشرق الأوسط: البعد الجيو سياسي
وإذا كان التقرير الأول قد تناول الأمن السيبراني من زاوية اقتصادية ومؤسسية، فإن تقريراً آخر أصدره المنتدى في مارس 2026 بعنوان “كيف تعيد حرب الشرق الأوسط تشكيل المشهد العالمي للأمن السيبراني؟” قد وسع هذه الرؤية إلى البعد الجيو سياسي، عبر ربط المخاطر الرقمية مباشرة بالصراعات المسلحة، بالتزامن مع الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة في المنطقة.
ويبدأ التقرير برسالة واضحة: الحرب الحديثة لم تعد محصورة في ساحات القتال المادية، موضحاً أن الصراع يجري أيضا في الفضاء الإلكتروني، بالتوازي مع الصواريخ والطائرات المسيّرة، حيث تستخدم الحكومات والمجموعات المدعومة من الدول الهجمات الرقمية كسلاح مباشر.
ويرصد التقرير اتساع نطاق الأهداف، موضحاً أن الهجمات امتدت إلى شركات وبنى تحتية حيوية في مناطق بعيدة جغرافياً.
ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير استهداف شركة Stryker Corporation الأمريكية ببرمجية مدمرة مرتبطة بمجموعة مدعومة من طهران، إضافة إلى استهداف شركات في قطاعات الطاقة والخدمات المالية والنقل.
من هجمات انتهازية إلى عمليات مدفوعة بالجغرافيا السياسية
يصف تقرير الشرق الأوسط هذا التحول، بأنه انتقال من هجمات انتهازية إلى عمليات منسقة مدفوعة، باعتبارات جيو سياسية، حيث تشير الأنماط الحديثة إلى تصاعد في عدد الجهات الموالية للدول والجهات الوكيلة التي تشن حملات حجب الخدمة، واختراقات البيانات، وعمليات “القرصنة والتسريب” التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمنصات الرقمية والمؤسسات العامة. الأمر الذي يشير إلى أن الصراع الرقمي بات امتداداً مباشراً للصراع السياسي والعسكري.
وتعزز هذه القراءة إحصائية لافتة، وردت في تقرير التوقعات العالمية للأمن السيبراني لعام 2026، تفيد بأن 91% من أكبر المؤسسات حول العالم غيّرت استراتيجياتها السيبرانية؛ بسبب التقلبات الجيو سياسية، ما يعكس واقعاً جديداً باتت فيه الشركات تتعامل مع التوترات السياسية الدولية، باعتبارها عاملاً مباشراً في إدارة المخاطر الرقمية.
الجغرافيا لم تعد توفر الحماية
من الرسائل الأكثر وضوحاً، قول أحد الخبراء المشاركين: “عندما تتصاعد التوترات الجيو سياسية، فإن الاختراقات الشبكية، وتسريبات البيانات، والتخريب الرقمي غالباً ما تتبعها”.
وتقود هذه الخلاصة إلى رسالة، اتضحت في الصراع مع إيران: بعد المسافة الجغرافية لم يعد يوفر حماية، وبذلك، لم يعد موقع المؤسسة أو الشركة بعيداً عن مناطق الصراع كافياً لتوفير الأمان، إذ يمكن لكيان اقتصادي في أي دولة، أن يتأثر مالياً وتقنياً بهجوم مرتبط بنزاع يدور في منطقة أخرى من العالم.
وارتباطا بالجغرافيا وممرات البيانات، فإن هذا التوصيف في البعد عن الجغرافيا أو القرب منها لا يمنع التهديد، فالمخاوف تدور اليوم حول احتمالية تأثر شبكات الانترنت والكابلات المارة في الشرق الأوسط بالصراع.
الذكاء الاصطناعي يوسع فجوة المخاطر
يخصص تقرير الاجتماع السنوي مساحة واسعة لتأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة التهديدات، مشيراً إلى أن 77% من المؤسسات تستخدمه بالفعل لأغراض الدفاع، بينما يستخدمه المهاجمون بشكل شبه شامل.
ويعكس ذلك انتقال الذكاء الاصطناعي إلى عنصر فاعل في الهجوم والدفاع معاً، بما يخلق “فجوة متزايدة في التوازن بين المهاجم والمدافع”، مع إمكانية تنفيذ هجمات أكثر استقلالية واتساعاً.
وتتضح هذه الصورة بصورة أكبر في بيئات النزاع، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من أدوات إدارة الصراع الرقمي، مع تصاعد احتمالات تنسيق هجمات واسعة النطاق، تستهدف سلامة سلاسل الإمداد والبنية التحتية الحيوية، واتساقا مع التقرير كان طبيعيا أن يجري الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في المواجهات بين إيران وواشنطن، سواء بتوفير المعلومات أو طرق الاستهداف، سواء قدمت النصائح من دول أو حتى أفراد تقنيين مختصين في الذكاء الاصطناعي وطرق توظيفه في الصراعات العسكرية.
إعادة تعريف الأمن السيبراني
ينتهي تقرير المنتدى حول اجتماع جنيف برسالة سياسية واقتصادية واضحة، مفادها أن النظرة التقليدية للأمن السيبراني بوصفه وظيفة داعمة لم تعد تعكس الواقع الجديد.
ويشير إلى أن التموضع التاريخي للأمن السيبراني كوظيفة مساندة، والذي أدى إلى التقليل المنهجي من تسعير المخاطر، لم يعد يعكس واقع التهديدات في عصر الذكاء.
ويضيف أن “المرحلة المقبلة من الأمن ستعتمد على قدرة القادة على مواءمة الحوافز، وقياس المخاطر، وبناء الثقة عبر الأنظمة المترابطة”.
في هذا السياق، يشير أحد الخبراء إلى أن “الأعمال العدائية الحالية ” هي بمثابة جرس إنذار، بأن لا مؤسسة أو قطاع بمنأى عن عواقب الصراع السيبراني، وينصح في نقاط تصلح لكل المؤسسات، بضرورة تحديد الأولويات الاستراتيجية: يجب على الشركات تنويع بنيتها التحتية السحابية والبيانات جغرافياً، وتعزيز سلاسل التوريد، وتحصين الدفاعات ضد تهديد برامج الفدية المتطورة.
ما تكشفه تقارير المنتدى سواء في اجتماع جنيف الأخير، وكذلك تقرير مارس، بجانب التقرير السنوي أول يناير، أن هناك تصاعدا في خطر الهجمات الإلكترونية، وضرورة التركيز على الأمن السيبراني كجزء من بنية دفاعية، وينبه إلى ضرورة قوة الدول وقدرتها على حماية اقتصادها في عصر الاضطراب العالمي.
بذلك يعرف المنتدى الاقتصادي الأمن السيبراني بوصفه أحد محددات القوة الوطنية في القرن الحادي والعشرين؛ كأداة دفاعية، وأيضا كشرط للنمو الاقتصادي، وعنصر من عناصر السيادة، ومقياس لقدرة الدول والشركات على الصمود في عالم تتزايد فيه المخاطر الرقمية والجيو سياسية بوتيرة متسارعة.